[ 14 ب ] وأمّا قولي : وبقي الناس : يعني من يروى عنهم عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه .
وأمّا قولي : وما أراهم بالناس : إنّما هم غمسوا في ماء الناس : نحن وأمثالنا .
وقال عليّ بن بكّار : كنت أنا وأبو إسحاق الفزاريّ ، وإبراهيم بن أدهم ، ومخلد بن حسين رفقاء ، فكنّا نرعى دوابّنا على شطّ سيحان ، ومعنا أخرجتنا وسلاحنا . وكان إبراهيم خادمنا . وكان إذا حضر كأنّ الطير على رؤوسنا هيبة له . وإذا غاب عنّا انبسطنا . ولم يكن فينا أحد يجترئ أن يخدم . وكان إذا طحن كفّ رجلا ومدّ رجلا ، فيطحن مديّا ، ثمّ يكفّ هذه ويمدّ الأخرى [ ويطحن ] مديّا آخر .
وكان إذا أراد أن يتوضّأ قام بثيابه فلفّها على رأسه ثمّ يسبح في سيحان حتّى يقطعه فيجوز إلى تلك الناحية فيتوضّأ ويقضي حاجته . ثمّ يقبل وثيابه على رأسه ملفوفة ، ثمّ يجيء .
وقال بقيّة بن الوليد : قلت لإبراهيم بن أدهم :
أكنّيك أم أدعوك باسمك ؟
قال : إن كنّيتني قبلت منك . وإن دعوتني باسمي فهو أحبّ إليّ .
فمدحته وأثنيت عليه . ففطن فقال : لروعة تروّع صاحب عيال أفضل ممّا أنا فيه .
قلت : أوصني !
قال : كن ذنبا ولا تكن رأسا . فإنّ الرأس يهلك ويسلم الذنب .
وقلت له : طوبى لك ! أقبلت على العبادة وزهدت في الدنيا !
فقال : ألك عيال ؟
قلت : نعم .
قال : لروعة رجل لعياله ساعة أفضل من عبادة كذا وكذا .
ورآه الأوزاعي بسبروت « 1 » وعلى عنقه حزمة حطب . فقال له : يا أبا إسحاق ، أيّ شيء هذا ؟
إخوانك يكفونك !
فقال : دعني من هذا يا أبا عمرو ! فإنّه بلغني أنّه من وقف موقف مذلّة في طلب الحلال وجبت له الجنّة .
وعن أبي عمر الغسّاني قال : أتانا رجل يسأل عن إبراهيم بن أدهم فأعلمناه أنّا لا نعرفه ولا نعرف له موضعا . فقال لي : لم أزل على صحّة من خبره إلى أن دخل مدينة عسقلان .
فقال رجل من القوم : عندي ناطور في بستان قد أنكرت أمره ، وهو خليق أن يكون هو . وذلك أنّي خرجت في جماعة من أصحابي إلى البستان فسألته أن يأتيني برمّان حلو فأتاني برمّان حامض .
فقلت له : « من هذا تأكل ؟ » فقال : ما آكل من متاع [ هم ] « 2 » إنّما اكتروني لأحفظه .
فقال الرجل : ينبغي أن يكون هو صاحبي .
فقمنا بأجمعنا حتّى وقفنا على باب البستان فاستفتح صاحبه فخرج إلينا فإذا هو إبراهيم بن أدهم ، فسلّم عليه الرجل .
فقال له : ما حاجتك ؟
قال : مولاك فلان مات وخلّف شيئا جئتك به .
فبسط إبراهيم كساءه وقال له : « هات ! » فصبّ فيه ثلاثين ألف درهم . فقال للرجل : « اقسمها أثلاثا » . ففعل . فقال : لتأخذوا عشرة آلاف درهم ، ففرّقوها على الفقراء والمساكين . وعشرة آلاف
هامش
( 1 ) السبروت : الأرض القاحلة الغليظة ولعلها : بيروت .
( 2 ) في المخطوط : وما أكل من متاع . والقصة بعد معادة .