ألابن تيميّة ترمى سهام أذى * من الأنام ويدمى الناب والظفر ؟
بذّ السوابق ممتدّ العبادة لا * يناله ملل فيها ولا ضجر
ولم يكن مثله بعد الصحابة في * علم عظيم وزهد ما له خطر
طريقه كان يمشي قبل مشيته * بها أبو بكر الصدّيق أو عمر
فرد المذاهب في أقوال أربعة * جاءوا على أثر السّبّاق وابتدروا
لمّا بنوا قبله عليا مذاهبهم * بنى وعمّر منها مثل ما عمروا
مثل الأئمّة قد أحيا زمانهم * كأنّه كان فيهم وهو منتظر
إن يرفعوهم جميعا رفع مبتدإ * فحقّه الرفع أيضا إنّه خبر « 1 »
أمثله بينكم يلفى بمضيعة * حتّى يطيح له عمدا دم هدر « 2 »
يكون وهو أمانيّ لغيركم * تنوبه منكم الأحداث والغير
واللّه لو أنّه في غير أرضكم * لكان منكم على أبوابه زمر
مثل ابن تيميّة ينسى بمحبسه * حتى يموت ولم يكحل به بصر
مثل ابن تيميّة ترضى حواسده * بحبسه ولكم في حبسه عذر
مثل ابن تيميّة في السجن معتقل * والسجن كالغمد وهو الصارم الذّكر
مثل ابن تيميّة يرمى بكلّ أذى * وليس يجلى قذى منه ولا نظر
مثل ابن تيميّة تذوي خمائله * وليس يلقط من أفنانه الزهر
مثل ابن تيميّة شمس تغيب سدى * وما ترقّ لها الآصال والبكر
مثل ابن تيميّة يمضي وما عتقت * بمسكه العاطر الأردان والطرر !
مثل ابن تيمية يمضي وما نهلت * له سيوف ولا خطيّة سمر
ولا تجارى له خيل مسوّمة * وجوه فرسانها الأوضاح والغرر
ولا تحفّ به الأبطال دائرة * كأنهم أنجم في وسطها قمر
ولا تعبّس حرب في مواقفه * يوما ويضحك في أرجائه الظّفر
حتّى يقوّم هذا الدين من ميل * ويستقيم على منهاجه البشر
بل هكذا السلف الأبرار ما برحوا * يبلى اصطبارهم جهدا وهم صبر
[ 102 أ ] تأسّ بالأنبياء الطّهر كم بلغت * فيهم مضرّة أقوام وكم هجروا
في يوسف في دخول السجن منقبة * لمن يكابد ما يلقى ويصطبر
ما أهملوا أبدا ، بل أمهلوا لمدى * واللّه يعقب تأييدا وينتصر
أيذهب المنهل الصافي وما نقعت * به الظماء ويبقى الحمأة الكدر « 3 » ؟
مضى حميدا ولم يعلق به وضر * وكلّهم وضر في الناس أو وذر « 4 »
هامش
( 1 ) تورية بالرفع ، وهو من خيال النحاة .
( 2 ) طاح هنا في معنى ضاع .
( 3 ) نقع بالماء : روي . والظماء ج الظامئ ، والحمأة : الطين الأسود .
( 4 ) الوذر : اللحم المقطّع . والوضر : الوسخ .