تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 286

مساهمون:

ص٢٨٦
وعارضته البحار فضحضحها ، ثمّ كان أمّة وحده ، وفردا حتى نزل لحده ، أخمل من القرناء كلّ عظيم ، وأخمد من أهل الفناء كلّ قديم ، ولم يكن منهم إلّا من يجفل عنه إجفال الظليم ، ويتضاءل لديه تضاؤل الغريم [ الكامل ] :
ما كان بعض الناس إلّا مثلما * بعض الحصى الياقوتة الحمراء
جاء في عصر مأهول بالعلماء ، مشحون بنجوم السماء ، تموج في جانبيه بحور خضارم ، وتطير بين خافقيه نسور قشاعم ، وتشرق في أنديته بدور دجنّة ، وصدور أسنّة ، وتثار جنود رعيل ، وتجار أسود غيل ، إلّا أنّ صباحه طمس تلك النجوم ، وبحره طمّ على تلك الغيوم ، ففاءت سمرته على تلك التلاع ، وأطلّت قسورته على تلك السباع . ثمّ عبّئت له الكتائب فحطّم صفوفها ، وخطم أنوفها . وابتلع غديره المطمئنّ جداولها ، واقتلع طوده المرجحنّ جنادلها ، وأخمدت أنفاسهم ريحه ، وأكمدت شراراتهم مصابيحه [ الوافر ] :
تقدّم راكبا فيهم إماما * ولولاه لما ركبوا وراء
فجمع أشتات المذاهب وشتّات المذاهب « 1 » ، ونقل عن أئمّة الإجماع فمن سواهم مذاهبهم المختلفة واستحضرها ، ومثّل صورهم الذاهبة وأحضرها . فلو شعر أبو حنيفة بزمانه وملك أمره ، لأدنى عصره إليه مقرّبا ، أو مالك ، لأجرى وراءه أشهبه ولو كبا ، أو الشافعيّ ، لقال : ليست هذا كان للأمّ ولدا ، أو : ليتني كنت له أبا ! والشيبانيّ ابن حنبل ، لما لام عذاره إذا غدا منه لفرط العجب أشيبا ، لا ، بل داود الظاهريّ وسنان الباطنيّ « 2 » ، لظنّا تحقيقه من منتحله ، وابن حزم والشهرستانيّ ، لحشر كلّ منهما ذكره أمّة في نحله ، والحاكم النيسابوريّ والحافظ السلفيّ ، لأضافه هذا إلى استدراكه ، وهذا إلى رحله . ترد [ 100 ب ] الفتاوى ولا يردّها ، وتفد عليه فيجيب عليها بأجوبة كأنّه كان قاعدا لها يعدّها [ الكامل ] :
أبدا على طرف اللسان جوابه * فكأنما هي دفعة من صيّب يغدو مساجله بغرّة صافح * ويروح معترفا بذلّة مذنب
ولقد تظافرت عليه عصب الأعداء فألجموا إذ هدر فحله ، وأفحموا إذ زمزم ليجني الشهد نحله . ورفع إلى السلطان غير ما مرّة ، ورمي بالكبائر ، وتربّصت به الدوائر ، وسعي به ليؤخذ بالجرائر ، وحسده من لم ينل سعيه وكثر فارتاب ، ونمّ فما زاد على أنّه اغتاب . وأزعج من وطنه تارة إلى مصر ثمّ إلى الإسكندريّة ، وتارة إلى محبس القلعة بدمشق ، وفي جميعها يودع أخبية السجون ، ويلدغ بزبانى « 3 » المنون ، وهو على علم يسطّر صحفه ، ويدّخر تحفه ، وما بينه وبين الشيء إلّا أن يصنّفه ، ويقرّط به ولو سمع امرئ واحد ويشنّفه ، حتّى تستهدي أطراف البلاد طرفه ، وتستطلع ثنايا الأقاليم شرفه ، إلى أن خطفته آخر مرة من سجنه عقاب المنايا ، وجذبته إلى مهواتها قرارة الرزايا . وكان قبل موته قد منع الدواة والقلم ، [ وطبع على قلبه ] منه طابع الألم ، فكان مبدأ مرضه ومنشأ عرضه ، حتى نزل قفار المقابر ، وترك فقار « 4 »
هامش
- فهو داود بن علي الأصبهاني ( ت 270 ) صاحب الطائفة الظاهرية - الأعلام 3 / 8 . ( 1 ) قراءة ظنّيّة . ( 2 ) سنان بن سلمان ، مقدّم الإسماعيليّة وصاحب الدعوة الباطنيّة ( ت 588 ) الأعلام 3 / 206 ، أمّا داود الظاهري - ( 3 ) زبانى العقرب : أطراف ذنبها . ( 4 ) فقار المنابر : لعلّه يعني فقرات الخطبة المنبريّة .