تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
المنابر ، وحلّ ساحة تربه وما يحاذر ، وأخذ راحة قلبه من اللائم والعاذر ، فمات ، لا بل حيي ، وعرف قدره لأنّ مثله ما رئي . وكان يوم دفنه يوما مشهودا ضاقت به البلد وظواهرها ، وتذكّرت به أوائل الرزايا وأواخرها ، ولم يكن أعظم منها منذ مئين سنين جنازة رفعت على الرقاب ، ووطئت في زحامها الأعقاب ، وسار مرفوعا على الرؤوس ، متبوعا بالنفوس ، تحدوه العبرات وتتبعه الزفرات ، وتقول له الأمم : لا فقدت من غائب ! ولأقلامه النافقة : لا أبعد كنّ اللّه من شجرات ! . وكان في مدد ما يؤخذ عليه في مقاله وينبذ في حفرة اعتقاله لا تبرد له غلّة في الجمع بينه وبين خصمائه بالمناظرة ، والبحث حيث العيون ناظرة ، بل يبدر حاكم فيحكم باعتقاله ويمنعه من الفتوى ، أو بأشياء من نوع هذه البلوى ، لا بعد إقامة بيّنة ولا تقدّم دعوة ولا ظهور حجّة بالدليل ، ولا وضوح محجّة للتأميل . وكان يجد لهذا ما لا يزاح فيه ضرر شكوى ، ولا يطفأ ضرم عدوى [ الطويل ] :
وكلّ امرئ حاز المكارم محسود
[ الكامل ] :
كضرائر الحسناء قلن لوجهها * حسدا وبغضا إنّه لدميم
كلّ هذا لتبريزه في الفضل حيث قصّرت النظراء ، وتجلّيه كالمصباح إذ أظلمت الآراء ، وقيامه في دفع حجّة التتار ، واقتحامه ، وسيوفهم تتدفّق ، لجّة البدار ، حتى جلس إلى السلطان محمود غازان حيث تجم الأسد في آجامها ، وتسقط القلوب في دواخل أجسامها ، وتجد النار فتورا في ضرمها ، والسيوف فرقا في قرمها ، خوفا من ذلك السبع المغتال ، والنمرود المختال ، والأجل الذي لا يدفع بحيلة محتال ، فجلس إليه وأومأ بيده إلى صدره ، وواجهه ودرأ في نحره ، فطلب منه الدعاء فرفع يديه ودعا دعاء منصف أكثره عليه ، وغازان يؤمّن على دعائه وهو مقبل إليه . ثمّ كان على هذه المواجهة القبيحة والمشاتمة الصريحة أعظم في صدر غازان والمغل من كلّ من طلع معه إليهم ، وهم سلف العلماء في ذلك الصدر ، وأهل الاستحقاق لرفعة القدر ، هذا مع ما له من جهاد في اللّه لم تفزعه فيه ظلل الوشيج ، ولم يجزعه فيه ارتفاع النشيج ، مواقف حروب باشرها ، وطوائف ضروب عاشرها ، وبوارق صفاح كاشرها ، ومضايق رماح حاشرها ، وأصناف خصوم [ 101 أ ] لدّ اقتحم معها الغمرات ، وواكلها مختلف الثمرات ، وقطع جدالها قويّ لسانه ، وجلادها شبا سنانه ، قام بها وصابرها ، وبلي بأصاغرها ، وقاسى أكابرها ، وأهل بدع قام في دفاعها ، وجاهد في حطّ يفاعها ، ومخالفة ملل بيّن لها خطأ التأويل ، وسقم التعليل ، وأسكت طنين الذباب في خياشيم رؤوسهم بالأضاليل ، حتى ناموا في مراقد الخضوع ، وقاموا ، وأرجلهم تتساقط للوقوع ، بأدلّة أقطع من السيوف ، وأجمع من السجوف ، وأجلى من فلق الصباح ، وأجلب من فلق الرماح [ الطويل ] :
إذا وثبت في وجه خطب تمزّقت * على كتفيه الدرع وانتثر السرد
إلّا أنّ سابق المقدور أوقعه في خلل المسائل ، وخطل خطأ لا يأمن فيه مع الإكثار قائل ، وأظنّه - واللّه يغفر له - عجّلت له في الدنيا المقاصّة ، وأخذ نصيبه من بلواها عامّة وله خاصّة ، وذلك لحطّه على بعض سلف العلماء ، وحلّه لقواعد كثيرة من نواميس القدماء ، وقلّة توقيره للكبراء ، وكثرة تكفيره للفقراء ، وتزييفه لغالب الآراء ، وتقريبه