تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
رجب من القلعة إلى مجلس الحكم ، فوضعت بخزانة في المدرسة العادليّة . وكانت أكثر من ستّين مجلّدا وأربع عشرة ربطة كراريس . فنظر القضاة والفقهاء فيها ، وتفرّقت في أيديهم . وكان سبب هذا أنّه وجد له جواب عمّا ردّه عليه القاضي المالكيّ بديار مصر ، وهو زين الدين ابن مخلوف ، فأعلم السلطان بذلك فشاور القضاة فأشاروا بهذا .

[ وفاته مسجونا بالقلعة ] :

ولم يزل بالقلعة حتّى مات يوم الاثنين العشرين من ذي القعدة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة . فحضر جمع كبير إلى القلعة ، وأذن لبعضهم في الدخول . وغسّل وصلّى عليه بالقلعة . ثم حمل على أصابع الرجال ، وأتوا بنعشه من القلعة إلى الجامع الأمويّ . وحالما أذّن لصلاة الظهر ، صلّى الإمام الشافعيّ من غير أن ينتظر صلاة المشهد على العادة . ثمّ صلّى عليه ، وتوجّهوا به إلى مقابر الصوفيّة . فما وصلوا به إليها [ 99 ب ] حتّى أذّن للعصر . وأراد جماعة أن يخرجوا من باب الفرج أو باب النصر فلم يقدروا من شدّة الزحام وحمل على الأيدي والرؤوس والأصابع . وكان الناس يلقون عمائمهم على النعش ويجرّونها إليهم طلبا للتبرّك بذلك . وحزر من صلّى عليه من الرجال فكانوا ستّين ألفا ، وخمسة آلاف امرأة . وقيل أكثر من ذلك . وكان في عنقه خيط عمل بالزئبق لأجل القمل وطرده ، فاشتري بجملة مال .

[ مصنّفاته ] :

وكتب بخطّه من التصانيف ، والتعاليق المفيدة ، والفتاوى المشبعة ، في الأصول ، والفروع ، والحديث ، وردّ البدع بالكتاب والسنّة ، شيئا كثيرا يبلغ عدّة أحمال . فممّا كمل منها : - كتاب الصارم المسلول على منتقص الرسول . - وكتاب تبطيل التحليل . - وكتاب اقتضاء السّراط المستقيم . - وكتاب [ في الردّ على ] تأسيس التقديس [ للرازي ] في عدّة مجلّدات . - وكتاب الردّ على طوائف الشيعة ، أربع مجلّدات ، وكتاب دفع الملام عن الأئمة الأعلام ، وكتاب السياسة الشرعيّة ، وكتاب التصوّف ، وكتاب مناسك الحجّ ، وكتاب الكلم الطيّب . ومسائل كثيرة جدّا يقوم منها عدّات « 1 » كثيرة من المجلّدات . وأكثر مصنّفاته مسوّدات لم تبيّض ، وأكثر ما يوجد منها الآن بأيدي الناس قليل من كثير . فإنّه أحرق منها شيء كثير ، ولا قوّة إلّا باللّه . ومع ذلك قال القاضي الذهبيّ : ولعلّ تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كرّاس وأكثر - وفسّر كتاب اللّه تعالى مدّة سنين من صدره أيّام الجمع .

[ ثناء العلماء عليه ] :

ولمّا ولي مشيخة دار الحديث بعد والده ، وهو شابّ ، وحضره الأعيان وأثنوا عليه وعلى فضائله وعلومه قال الشيخ إبراهيم الرقّيّ : الشيخ تقيّ الدين يؤخذ عنه ويقلّد في العلوم . فإن طال عمره ملأ الأرض علما وهو على الحقّ . ولا بدّ أن يعاديه الناس فإنّه وارث علم النبوّة - وقال كمال الدين ابن الزملكانيّ : لقد أعطي ابن تيميّة اليد الطولى في حسن التصنيف وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين . وقد ألان اللّه له العلوم كما ألان لداود الحديد ! - ثمّ كتب على بعض تصانيفه هذه الأبيات من نظمه [ الكامل ] :
ما ذا يقول الواصفون له * وصفاته جلّت عن الحصر
هامش
( 1 ) عدّات : جمع عدّة ، أي مجموعة .