تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
بدمشق أو الإسكندريّة بشرط الحبس ، فاختار الحبس . ودخل عليه جماعة في السفر إلى دمشق ، ملتزما ما شرط ، فأجابهم ، وركب البريد ليلة الثامن عشر من شوّال وسار . فأرسل إليه من الغد بريد اخر ردّه إلى عند ابن جماعة ، وقد اجتمع الفقهاء . قال بعضهم : ما ترضى الدولة إلّا بالحبس . فقال ابن جماعة : وفيه مصلحة له . فاستناب شمس الدين التونسيّ المالكيّ ، وأذن له أن يحكم عليه بالحبس ، فامتنع وقال : ما ثبت عليه شيء . فأذن لنور الدين الزواوي المالكيّ ، فتحيّر ، فقال ابن تيميّة : أنا أمضي إلى الحبس وأتّبع ما تقتضيه المصلحة . فقال الزواوي : فيكون في موضع يصلح لمثله . فقيل له : ما ترضى الدولة إلّا بالحبس . فأرسل إلى حبس القاضي . وأجلس في الموضع الذي أجلس فيه قاضي القضاة تقيّ الدين ابن بنت الأعزّ لمّا حبس . وأذن له أن يكون عنده من يخدمه . وكان هذا جميعه بإشارة الشيخ نصر المنبجيّ .

[ خروجه من حبس القاهرة بشفاعة أمير العرب ] :

فاستمرّ في الحبس ، يستفتى ، ويزوره الناس ، وتأتيه الفتاوي الغريبة المشكلة من الأمراء والأعيان ، إلى ليلة الأربعاء العشرين من شوال ، [ ف ] طلب أخواه زين الدين وشرف الدين ، فوجد زين الدين ورسم عليه ، وحبس عند الشيخ تقيّ الدين . فلم يزالا إلى أن قدم مهنّأ بن عيسى أمير العرب إلى السلطان . فدخل على الشيخ وهو بالسجن ، في أوائل ربيع الأوّل سنة تسع وسبعمائة ، وزاره ، وأخرجه بعد ما استأذن في ذلك . فخرج يوم الجمعة ثالث عشرينه إلى دار النيابة بالقلعة . وحضر الفقهاء ، وحصل بينهم وبينه بحث كبير إلى وقت الصلاة . ثمّ عادوا إلى البحث حتّى دخل الليل ، ولم ينفصل الأمر . ثمّ اجتمعوا بمرسوم السلطان يوم الأحد خامس عشرينه مجموع النهار ، وحضر أكثر الفقهاء ، فيهم نجم الدين ابن الرفعة ، وعلاء الدين التاجي ، وفخر الدين ابن بنت أبي سعد ، وعزّ الدين النصراوي ، وشمس الدين ابن عدلان ، ولم يحضر القضاة . وطلبوا فاعتذروا . وانفصل المجلس ، وبات ابن تيميّة عند النائب . فأشار الأمير سلار بتأخيره أيّاما ليرى الناس فضله ويجتمعوا به . فعقد له مجلس آخر بالمدرسة الصالحيّة بين القصرين .

[ خروجه من سجن الإسكندرية إلى دمشق ] :

ثمّ أخرج من القاهرة [ إلى الإسكندريّة و ] معه أمير ، ولم يمكّن أحد من جماعته أن يسافر معه . ودخل إليها ليلا وحبس في برج . ثمّ توجّه إليه أصحابه واجتمعوا به . فأقام إلى ثامن شوّال . وطلب فسار إلى القاهرة ، واجتمع بالسلطان في يوم الجمعة رابع عشرينه فأكرمه وتلقّاه في مجلس حفل فيه القضاة والفقهاء ، وأصلح بينهم وبينه . ونزل إلى القاهرة فسكن بجانب المشهد الحسينيّ ، وتردّد الفقهاء والأمراء والأجناد وطوائف الناس إليه . فلمّا كان في العشر الأوسط من شهر رجب سنة إحدى عشرة وسبعمائة ، ظفر به أحد المتعصّبين عليه في مكان خال ، فأساء عليه الأدب . وعلم بذلك أصحابه فحضر إليه كثير من الجند وتحدّثوا بالانتصار له ، فأبى ذلك ومنعهم منه .