تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
في البرج أيّاما . ثمّ نقل إلى الجبّ ليلة عيد الفطر ، هو وأخواه . وأكرم قاضي القضاة نجم الدين وخلع عليه ، وأعيد إلى دمشق ، ومعه كتاب قرئ بدمشق يتضمّن مخالفة ابن تيميّة في العقيدة وإلزام الناس بذلك ، خصوصا أهل مذهبه ، والوعيد بالعزل والحبس . ونودي بذلك في البلاد الشاميّة . وكثر المتعصّبون على ابن تيميّة بالقاهرة ، وأوذي الحنابلة ، وحبس تقيّ الدين عبد الغنيّ ، ابن الشيخ شرف الدين الحنبليّ . وألزم سائر الحنابلة بالرجوع عن عقيدة ابن تيميّة ، وشنّع عليه . وأشار القضاة على رفيقهم قاضي القضاة شرف الدين أبي محمد عبد الغني بن يحيى بن محمّد الحرّانيّ بموافقة الجماعة ، فوافق وألزم جماعة من أهل مذهبه بذلك وأخذ خطّهم . ومرّ على الحنابلة ما لم يجر عليهم مثله . وكان ذلك كلّه بقيام الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير ، تعصّبا للشيخ نصر المنبجيّ . وفي أوائل شهر ربيع الأوّل سنة ستّ وسبعمائة ، اعتقل شرف الدين محمد بن نجيح الحرّانيّ ، أحد أصحاب ابن تيميّة ، بقلعة الجبل ، بعد أن اجتمع بالأمير سلار والأمير بيبرس وتكلّم عندهما كلاما طويلا . واستمرّ في الحبس إلى سادس شعبان فأطلقه الأمير سلار .

[ استتابة ابن تيميّة ورفضه الرجوع عن مقالته في الزيارة ] :

وفي سلخ شهر رمضان جمع الأمير سلار القضاة ، ما خلا الحنبليّ ، والخزري ، والنمراوي ، وتكلّم في إخراج ابن تيميّة . فقال الفقهاء والقضاة : بشرط أن يلتزم أمورا ، منها الرجوع عن بعض العقيدة . وبعثوا إليه ليحضر فلم يوافق على الحضور ، وتكرّر إليه الرسول مرّات ، وهو مصمّم على عدم الحضور ، فانصرفوا من غير شيء . فلمّا كان في ثامن عشرين ذي الحجّة منها ، ورد كتاب ابن تيميّة من الجبّ على الأفرم يخبره بحاله . فأثنى الأفرم على علمه وشجاعته وقال إنّه ما قبل شيئا من الكسوة السلطانيّة ولا من الأمراء ، ولم يأخذ شيئا ، قلّ ولا جلّ . فلمّا كان في صفر سنة سبع وسبعمائة اجتمع قاضي القضاة بدر الدين محمد ابن جماعة الشافعيّ بالشيخ تقيّ الدين ابن تيميّة في دار الأمير الأوحديّ ، بكرة الجمعة رابع عشرينه بقلعة الجبل ، وطال بينهما الكلام ، وتفرّقا قبل الصلاة . وفي شوّال شكا الشيخ كريم الدين الآمليّ شيخ الصوفيّة بالقاهرة ، وابن عطاء [ اللّه ] وجماعة نحو الخمسمائة نفس ، من ابن تيميّة وكلامه في ابن العربيّ الصوفيّ « 1 » وغيره ، إلى أمراء الدولة . فردّوا الأمر في ذلك إلى ابن جماعة . فعقد له مجلس ، وادّعى عليه ابن عطاء بأشياء لم يثبت منها شيء . لكنّه اعترف بأنّه قال : لا يستغاث بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم استغاثة بمعنى العبادة ، ولكن يتوسّل به . فقال بعض الحاضرين : ليس في هذا شيء . ورأى ابن جماعة أنّ هذا [ 98 ب ] إساءة أدب وعنّفه على ذلك فحضرت رسالة إليه أن يعمل في ابن تيميّة ما تقتضيه الشريعة في ذلك فقال : قد قلت له ما يقال لأمثاله . فلم يقنعهم ذلك . وخيّروا ابن تيميّة بين الإقامة
هامش
( 1 ) الشيخ الأكبر محيي الدين الحاتميّ ( ت 638 ) يكتب عادة ابن عربيّ بدون تعريف . وابن العربي هو أبو بكر الإشبيلي ( ت 543 ) الفقيه .
المقفى الكبير — صفحة 281 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي