فساءت سيرة خليفة المذكور على أهل مخلاف الجند وصار مولعا بإذلالهم ، ومن جملة ما ذكر عنه أنه كان لا تزف امرأة إلى ( زوجها ) « 1 » ، حتى تعرض عليه ، وربما وقع عليها ، فلذلك قتلوه .
وبلغ خبر مقتله إلى معن ، فجمع معن جموعا كثيرة ، وغزا الجند ونواحيها وأخرب القرية المذكورة التي فيها نائبه فهي خراب إلى عصرنا هذا ، وقتل من أهل القرية وغيرهم نحو ألفي رجل ، وكان إذا خوطب بالكف عن القتل يقول : لا استفي حتى أقتل ألفين ثم ينشد :
إذا تمت الألفان كادت حرارة على * الصدر من ذكرى سليمان تبرد
قال الجندي : ولم يكن لمعن ما يذم به الأفعال غير هذه الغزاة وقتل من قتل فيها ولم يقنع بذلك حتى غوّر مياهها ، كانت في قاع الجند منها الماء الموجود في محارب اليهاقر وغيره ، ومنها ألزم الناس لبس الثياب المصبوغة بالسواد وترك شعورهم فصار ذلك عادة لهم يعدونه جمالا وزينة لقدم عهدهم بذلك ومعرفتهم له .
وكان من المخضرمين « 2 » ، أدرك الدولة الأموية وقاتل وتراس فيها ، ثم أدرك الدولة العباسية وقاتل فيها قتالا شديدا .
وكان جوادا ، متلافا ، له أخبار في الجود يطول شرحها ، ما خيّب أملا قط ، ولا علم بدخول أحد من الأعيان صنعاء ولم يقصده إلا أنف من ذلك ، وربما عاقب فاعله .
ويروى أن سفيان الثوري دخل صنعاء في أيامه ، وقد علم حاله وأنه قصد دخول اليمن دون قصده ، فسلّم عليه وسأله : أين تريد ؟ فقال : دين أثقلني فقصدتك ، فأسف معن أن لا يكون أدركه في صنعاء ، ثم كتب له إلى ابنه زائدة بن معن بألف دينار ، فأخذ سفيان الصك ودخل صنعاء وقضى حاجته منها ، ثم خرج سفيان من صنعاء ولم يجتمع بزائدة ولا قدم عليه
هامش
( 1 ) وردت في « ج » إلى « بعلها » .
( 2 ) المخضرم : هو الذي شهد عصرين .