حينئذ إلى أبيه الملك المظفر يخبره بالقصة ، وقيل بل أمره الملك الأشرف أن يكتب قصته يشكو من فعل الفقهاء معه .
فلمّا وقف الملك المظفر رحمه اللّه على ذلك صعب عليه الأمر وخشي أن يسرع الفقهاء إلى شقاق يصعب عليه علاجه فكتب إليهم :
" أظلمتم الضياء ، وخبطتم في عشواء ، فاقتصروا عن هذه الأهواء ، واشتغلوا بالنصوص .
فإنك يا ابن آدم أغنى المتفقهة ، وأمثالك ممن هو في تلك الجهة ، لم تحط علما بما كتابك ، ولو بهت أحدكم وسئل عن مسئلة على قولين ، لم يكن في قدرته الجواب عنها حتى يكشف ويطالع ، وإذا كان نعتكم « 1 » ما أفنيتم فيه أعماركم ، فكيف تخرجون إلى أهوية تقيمون لها أمثالا بظاهر ألفاظكم مما يستبدل بها أهويتكم ، فاعتمدوا على الكتاب والسنة والصحيح من حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، واتركوا التمسك بالموضوعات عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم فلهذا علماء يوردون ويصدرون ، ولستم من ذلك النمط في شيء ، فالحذر الحذر كل الحذر ، فمن حذّر فقد أنذر ، فإن اقتصرتم وإلا قصركم السيف عن طول اللسان ، فإنما قصدكم التلبّس على العوام بقيل وقال " .
ثم أرسل الكتاب إلى الوالي بحصن تعز المحروس وأمر أن يأمر الخطيب بقراءته على المنبر يوم الجمعة بحضرة الفقهاء وغيرهم ، ففعل الوالي ذلك فلمّا قرأ الخطيب كتاب السلطان يوم الجمعة كما أمر ، فرق الفقهاء من ذلك وتفرقوا في البلاد .
وأقام أعيان الفقهاء في البلاد مهاجرين للمقدسي وهو مقيم على جوار من الواثق ، وكان الملك الواثق مقيما في تعز نائبا لأبيه لأجل غيبته في التهائم ، فأقام المقدسي مدة يسيرة بعد ذلك مرض مرضا شديدا وتوفي والفقهاء مهاجرون له فلم يحضر دفنه غير نفر يسير من عوام الناس ، ودفن سحرا .
هامش
( 1 ) لعلها " يبهتكم " واللّه أعلم .