فدع فضلات للأمور فإنها * حرام على نفس التقي ارتكابها
ولا تمشين في منكب الأرض فاخرا * فعما قريب يحتويك ترابها
وآتي زكاة الجاه واعلم بأنها * كمثل زكاة المال تم نصابها
وأحسن إلى الأحرار تملك رقابهم * فخير تجارات الكرام اكتسابها
ومن يذق الدنيا فإني طعمتها * وسيق إلينا عذبها وعذابها
ولم أرها إلا غرورا وباطلا * كما لاح في ظهر الفلاة سرابها
وما هي إلا جيفة مستحيلة * عليها كلاب همهن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها * وإن تجتذبها نازعتك كلابها
فطوبى لنفسي أوطنت قعر دارها * مغلقة الأبواب مرخى حجابها
وللزمخشري كتاب ذكر فيه انه قيل للشافعي في صبيحة كيف أصبحت ؟
قال : ما حال من أصبح يطلبه ثمانية : الربّ بكتابه ، والنبي بسنته ، وأهل بيته بالقوت ، والنفس بالشهوات ، والشيطان بالمعاصي ، وملك الموت بقبض الروح ، والحفظة بما ينطق ، والدهر بصروفه ؟
وذكر صاحب الأربعين الطائية بإسناده إلى المزني قال : دخلت على الشافعي في مرضه الذي مات فيه ، فقلت : كيف أصبحت يا أبا عبد اللّه ؟
قال : أصبحت من الدنيا راحلا ، ولإخواني مفارقا ، ولسوء أفعالي ملاقيا ، ولكأس المنية شاربا ، وعلى اللّه عزّ وجل واردا ، فو اللّه ما أدري أروحي إلى الجنة تصير فأهنيها أم إلى النار فأعزيها ، ثم بكى وانشد شعرا :
ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي * جعلت رجائي نحو عفوك سلّما
تعاظمني ذنبي فلمّا قرنته * بعفوك ربى كان عفوك أعظما
فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل * تجود بعفو منّة ، وتكرّما
فلولاك لم يغو بإبليس عالم * فكيف وقد أغوى صفيّك آدما