فكأنني قلم بأنمل كاتب * وكأن رزقي في البلاد حروف
ثم عزم على الرحيل إلى مصر فقال في ذلك :
عجبت أرى نفسي تتوق إلى مصر * ومن دونها أرض المهامة والقفر
فو اللّه ما أدري أللفوز والغنى * أساق إليها أم أساق إلى القبر
وكان يقال : الشافعي شاعر غلب عليه العلم « 1 » ، على شرف نفسه عليه وإلى ذلك أشار في شعره حيث يقول :
ولولا الشعر بالعلماء يزري * لكنت اليوم أشعر من لبيد « 2 »
ثم سافر فدخل مصر سنة تسع وتسعين ومائة فأدرك بها الست نفيسة « 3 » والناس إذ ذاك يحضرون منها مجلسا ، ويروون عنها الحديث من وراء ستر فحضر الشافعي مجلسها وأخذ عنها ، فهي معدودة في شيوخه وسيأتي ذكرها فيهم إن شاء اللّه .
قال ابن خلكان : اتفق العلماء قاطبة من أهل الفقه والأصول والنحو واللغة وغير ذلك على ثقة الشافعي ، وأمانته ، وعدالته ، وورعه ، وزهده ، ونزاهة عرضه ، وشرف نسبه ، وصحة حسبه ، وحسن سيرته ، وعلو قدره .
أخذ عنه الأصمعي « 4 » - مع جلالة قدره - شعر الهذليين ، وقال له شيخه مسلم بن خالد أول اختلاط به وقراءته عليه : من أين أنت يا فتى ؟
هامش
( 1 ) وردت في السلوك ، « الفقه » .
( 2 ) لبيد بن ربيعة : شاعر جاهلي أحد أصحاب المعلقات السبع ، أدرك الإسلام فأسلم ، من المعمرين ، ولما توفي كان عمره 150 سنة .
( 3 ) الست نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، سبط النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، [ ت 208 ه ] : علوية ، حسنية ، صاحبة المشهد الكبير المعمور في مصر ، قدمت مصر مع زوجها الشريف إسحاق بن جعفر بن محمد الصادق . الجندي : السلوك ، 1 / 160 ، الذهبي : سير أعلام النبلاء ، 10 / 106 - 108 .
( 4 ) أبو سعيد عبد الملك بن قريب [ ت 214 ه ] : من كبار علماء اللغة والنحو والأخبار والنوادر ، وكانت وفاته بالبصرة . شاكر مصطفى ، التاريخ العربي ، 1 / 199 .