قال الشافعي رضي اللّه عنه : " ووافق قدومي إلى الرشيد استيلاء محمد بن الحسن وأبي يوسف « 1 » عليه ، فلمّا ذكرت عنده بحضرتهما ربما لا ماني لمعرفتهما لي المتقدمة وذلك لما يتحققاه مني ، فلمّا دخلت على الرشيد وأنا مثقل بالحديد وهما عنده كلماني فقلت : لا يتأتى لي الكلام مع شغل خاطري « 2 » بثقل الحديد فأمر بفكه ثم كان لي معه ومعهما أقوال كثيرة وكان اجتهادي على النجاة واجتهدا على إسقاطي وتحقيري في عين الرشيد عن معرفة شيء من العلم .
وسألني محمد بن الحسن عن عدة مسائل ، ووفقني اللّه بجوابه ، وسألته عن عشر مسائل ، أجاب بخمس وانقطع عن الباقي .
فأمر الرشيد بجر رجله فذكرت ما كان بيني وبينه من الأنس في الكوفة ، فقلت يا أمير المؤمنين : ما رأيت سجينا أفقه منه ثم جعلت أثني عليه ، فعلم الرشيد بمرادي ، فأمر بتخليته ، وخلع علينا جميعا ، وحمل كلا منا على مركوب ، وخصني بخمسين ألف درهم » .
وقال نقلة سيرته : فلم يصل منزله بشيء منها ، إذ فرقها في طريقه ، فلمّا بلغ الرشيد عظم عنده ، وأمر له بالإعاضة عنها .
ثم أقام ببغداد مدة فقيد بها كتبه القديمة ، وكان كثير الذكر للسفر فعوتب في ذلك فقال لمعاتبه :
تغرب عن الأوطان في طلب العلا * وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرّج همّ واكتساب معيشة * وعلم وأدب وصحبة ماجد
فإن قيل في الأسفار قلّ وغربة * وقطع فياف وارتكاب شدائد
فموت الفتى خير له من مقامه * بدار هوان بين واش وحاسد
وعوتب على كثرة التنقل في البلدان فقال شعرا :
رزقي تشتت في البلاد وإنني * أسعى لجمع شتاته وأطوف
هامش
( 1 ) أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري [ ت 182 ] : صاحب أبي حنيفة ، أول من دعي بقاضي القضاة ، فقيه ، محدث ، له مصنف اسمه الخراج . ابن خلكان : الوفيات ، 5 / 421 .
( 2 ) وردت في السلوك ، « باطني » .