هذه بعض نماذج لصلة السلاطين الرسوليين بالعلم والتصاقهم بالعلماء ، ومجاراتهم لهم في التأليف . ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أسهم السلاطين في دعم حركة التأليف ، عن طريق إثابة العلماء بجزيل العطاء والهبات ، ورفع مكانتهم ، وتقليدهم المناصب لقاء نتاجهم التأليفي ، والاحتفاء بالكتاب المصنف ، فعند ما صنف الفقيه جمال الدين محمد بن عبد اللّه الريمي ( ت 792 ه / 1389 م ) ، كتابه " التفقيه شرح التنبيه " « 1 » ، حمله إلى مقام السلطان الأشرف إسماعيل ، محمولا على رؤوس الفقهاء ، مزفوفا بالطبول ، في موكب يتقدمه الفقهاء والقضاة من بيت المؤلف إلى قصر السلطان ، فتقبله السلطان ، ومنحه ثمانية وأربعين ألف درهم « 2 » .
ويصف الخزرجي هذا الصنيع من السلطان بأنه إعظام للعلم ورفع لدرجته « 3 » .
ولا شك أن مثل هذا التكريم يعمل على إحياء مكامن الإبداع عند العلماء لتنال مؤلفاتهم مثل هذا التكريم ، خدمة للعلم ورغبة في عطاء السلاطين « 4 » . ومن الأساليب التي نهجها السلاطين الرسوليون للتشجيع على التأليف الطلب إلى العلماء المبرزين بالتأليف في علم بعينه ، وقد يشير السلطان بموضوع التأليف ، وقد يتركه لاختيار المؤلف . ثم يجزل له العطاء . ومن ذلك أن المحدث المحب لدين اللّه الطبري ، صنف كتابه " الطراز المذهب المحبر في تلخيص المذهب " ، بأمر من السلطان المظفر يوسف « 5 » . كما طلب السلطان الأشرف إسماعيل من
هامش
( 1 ) الكتاب في أربعة وعشرين جزءا ، منه بعض أجزاء بجامع السلطان المظفر بتعز ، وأخرى متفرقة في بعض المكتبات الخاصة . انظر : الحبشي ، مصادر الفكر ، 212 .
( 2 ) الخزرجي ، العقود ، 2 / 160 ؛ مجهول ، تاريخ الدولة الرسولية ، 94 .
( 3 ) العقود ، 2 / 160 .
( 4 ) إذ تبارى العلماء في التأليف بعد هذا التكريم فقدم القاضي مجد الدين الفيروزآبادي أحد مؤلفاته للسلطان الأشرف إسماعيل ، فحمل الكتاب في موكب ، ومنحه السلطان ثلاثة آلاف دينار . وكذا غيره من العلماء . انظر : الخزرجي ، العقود ، 2 / 244 ؛ ابن الديبع ، قرة العيون ، 385 .
( 5 ) الفاسي ، العقد الثمين ، 3 / 64 ؛ وترجمة رقم : 104 .