شديدة ، واستعمل العدل في أحكامه ، وسار بالناس على السوية ، ولم يسمع عنه أنه أخذ رشوة ، ولا حابى قويا على ضعيف ، وكان له فيها من الأحكام السديدة ، والسياسة الحميدة عجائب وغرائب تكاد تقصر عن إدراكها العقول .
( فمن ذلك ما يروى أن رجلا من أهل زبيد فقد امرأته أياما ، فلم يعلم لها خبرا ، فوصل الرجل إليه وشكى عليه ، فلما سمع شكواه قال له : افتقد ثيابها فإن وجدت فيها شيئا لا تعرفه فأتني به ، فذهب الرجل فافتقد ثياب امرأته فوجد فيها قناعا لم يكن من كسوته ، فأخذه وأتى به إلى الأمير ، وقال له : هذا القناع ليس من كسوتي ولا أعرفه . فقال له : اتركه عندي وانصرف لشأنك ، فتركه عنده وانصرف ، فطلب الأمير نقيب المستعملة « 1 » ، وسأله عمن يستعمل هذا الصنف من المستعملة ؛ فقال : فلان ، فقال اطلبه لي ، فطلبه ، فلما مثل بين يدي الأمير أراه القناع فعرفه ، فسأله عمن اشتراه منه ؟ فقال : أعطيته الدلال فلان ، ولم أعلم من اشتراه منه . فقال : اطلب لي الدلال ، فتقدم إلى الدلال وطلبه ، فلما وصل استأذنوا له على الأمير ، فأذن له ، فلما دخل عليه حادثه ساعة ، ثم أخرج له القناع ، وقال له : هل تعرف من اشترى منك هذا القناع ؟ قال : نعم ، اشتراه منى فلان ، فذكر رجلا من أعيان البلد ، فلما عرفه الأمير استدعا به على خلوة منه ، فلما وصل إليه أخرج له القناع ، فعرفه واعترف بالقضية ، فوبخه بالقول ، وأنكر عليه فعله ، وقال له : بادر بإطلاق الامرأة إلى زوجها ، وإياك أن تعود لمثلها فأعاقبك أشد العقاب . فأجاب بالطاعة وخرج مبادرا ، وأمر المرأة بالخروج إلى زوجها ، فخرجت .
قال الخزرجي : هذه رواية الجندي ، والذي سمعته من عدة من أهل زبيد ، أن الأمير أمر الرجل بالإتيان بالمرأة إلى بيت الأمير سرا ، بعد أن توعده وتهدده ، فخرج الرجل مبادرا
هامش
( 1 ) نقيب المستعملة : النقيب أمين القوم ومقدمهم الذي يتعرف أخبارهم وينقب عن أحوالهم ، والمستعملة علّة لفظ محلي قصد به الصنّاع أو الباعة . انظر : مصطفى عبد الكريم الخطيب ، معجم المصطلحات والألقاب التاريخية ، 425 .