تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الشافعية — صفحة 827

مساهمون:

ص٨٢٧
وقد كان رحمه اللّه على جانب كبير من العلم والعمل والزّهد والتقشّف والاقتصاد في العيش والصّبر على خشونته . والتّورّع الذي لم يبلغنا عن أحد في زمانه ولا قبله بدهر طويل ، وكان لا يدخل الحمّام ولا يأكل من فواكه دمشق لما في بساتينها من الشّبه في ضمانها والحيلة فيه ، صرّح بذلك ، وكان لا يأكل إلّا أكلة واحدة في اليوم واللّيلة بعد عشاء الآخرة ، ولا يشرب إلّا شربة واحدة عند السّحر ، ولا يشرب الماء المبرّد ، ولم يتزوّج قطّ ، وكان قليل النّوم كثير السّهر في العبادة والتّلاوة والذّكر والتّصنيف ، وكان أمّارا بالمعروف نهّاء عن المنكر يواجه الأمراء والكبراء والملوك بذلك ويصدع بالحقّ ، وقام على الملك الظّاهر في دار العدل في قضيّة الغوطة لمّا أرادوا وضع الأمدا على بساتينها فردّ عليه ذلك ووقى اللّه شرّه بعد أن غضب السّلطان وأراد البطش به ثمّ بعد ذلك أحبّه وعظّمه حتّى كان يقول : أنا أفزع منه . وقد ولي الشّيخ محيي الدّين مشيخة دار الحديث الأشرفيّة بعد الشّيخ شهاب الدّين أبي شامة سنة خمس وستّين إلى أن توفّي ، ولم يتناول من معلومها فلسا ولم يقبل لأحد هديّة إلّا نادرا ، وإنّما كان يتقوّت ممّا يأتيه من أبيه من نوى من كعك وقطين ، وكان يلبس ثوبا حورانيّا وعمامة سختيانيّة ، وكان لا يؤبه له بين النّاس ، وعليه سكينة ووقار ، وفي لحيته شعيرات بيض ، وكان لا يتعالى على الفقهاء في بحثهم ولفظهم وإنّما يبحث بسكينة ووقار ، رحمه اللّه . قال الشّيخ علاء الدّين ابن العطّار : سافر الشّيخ إلى نوى ، وزار القدس والخليل ، وعاد إلى نوى ، وتمرّض عند أبيه إلى أن توفّي ليلة الأربعاء رابع وعشرين من رجب سنة ستّ وسبعين وستّمائة ، ودفن بنوى ، وصلّوا عليه بدمشق يوم الجمعة ، ورثاه غير واحد من الشّعراء بمراث حسنة .
طبقات الشافعية — صفحة 827 | ابن كثير