دائرته وتسلطن في فنّ الكلام خاصّة حتّى قيل : إنّه كان يحفظ الشّامل لإمام الحرمين في ذلك ، وله اختيارات كثيرة في كتب متعدّدة يردّ بعضها بعضا ، ولكن الذي صنّفه على طريقة أهل الكلام : نهاية العقول وهو من أجود كتبه ، وكذا كتاب الأربعين ، وأمّا المباحث المسترقة فأكثرها على طريقة الحكمة ومذاهب الفلاسفة ، وكتاب المطالب العالية أجمع في ذلك كلّه وهي آخر ما صنّف في ذلك ، ولهذا لم يتمّها ، وبقي عليه منها بقيّة ، ثمّ قيل : إنّه ندم على دخوله في هذا الفنّ كما قال الشّيخ تقيّ الدّين ابن الصّلاح رحمه اللّه .
أخبرني القطب الطّوغاني مرّتين ، أنّه سمع الفخر الرّازي يقول : ليتني لم أشتغل بعلم وبكى .
ومن شعره وكلامه رحمه اللّه :
نهاية إقدام العقول عقال * وأكثر سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة « 37 » من جسومنا * وحاصل دنيانا أذى ووبال
فلم نستفد من بحثنا طول عمرنا * سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
وكم قد رأينا من رجال ودولة * فبادوا « 38 » جميعا مسرعين « 39 » وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها * رجال فبادوا والجيال جبال
ثمّ قال : لقد اختبرت الطرق الكلاميّة والمناهج الفلسفيّة فلم أجدها تروي غليلا ولا تشفي عليلا ، ورأيت أصحّ الطّرق طريقة القرآن ، أقرأ في التّنزيل :
وَاللَّهُ الْغَنِيُّ * وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ
« 40 » ، وقوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
« 41 » ،
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
« 42 » .
هامش
( 37 ) السّبكي ، وفيه : غفلة .
( 38 ) مزعجين .
( 39 ) فزالوا .
( 40 ) الآية 38 سورة محمّد .
( 41 ) الآية 11 سورة الشّورى .
( 42 ) الآية 1 سورة الإخلاص .