إليه كأنّ الفضل في كلّ ليلة * بكفّ الثّريّا في السّماء يشير
يقول كذا فليسم للعلم من سما * ويفخر بإدراك العلا فخور
وكان يتودد إلى الناس ، ويتعهّد الأكابر بالبشر والإيناس ، من غير حاجة إلى رب جاه ، أو صاحب وظيفة يترجاه ؛ لأنه كان في غنية من دنياه ، ورفعة من ذاته في علياه .
وولي نيابة الحكم بالقاهرة مدة ، فملأ المنصب عدلا وإنصافا ، ومال على المظالم وإن صادق وإن صافي ، ثم إنه سأل الإعفاء ، ورجع إلى العطلة وفاء .
ولم يزل في رياسة علمه وفضائله الباهرة ، وسيادته الباطنة والظاهرة ، إلى أن تولى العلم بركنه ، وطال من القبر على إنسانه إغماض جفنه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - ليلة الاثنين في السابع عشر من ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة بالقاهرة .
وسمع الحديث من أبي إسحاق إبراهيم بن علي الواسطي ، وأبي الفضل أحمد بن هبة اللّه بن عساكر ، وأبي العسا أحمد بن محسن بن ملّي ، وأبي القاسم الخضر بن عبد الرحمن الدمشقي ، وأبي عبد اللّه محمّد بن حمزة بن أبي عمر المقدسي ، وجماعة كثيرة ، وكتب على سورة « ق » مجلدة جيدة ، وعلى آيات من القرآن تفاسير جيدة .
ولما تولى إعادة الناصرية علق على قوله تعالى :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
[ آل عمران : 96 ] ، الآية ، وكتب على بعض ديوان المتنبي كلاما جيدا ، واختصر أفعال ابن الحاج « 1 » ، وتولى الإعادة في الفقه بالمدرسة الناصرية والجامع الطولوني ، ودرس بالمدرسة المنكوتمرية ، وكان طبيبا بالبيمارستان ، ويلقي الدرس فيه نيابة عن رئيس الطب ، وكان قد تأدّب بابن حبيش ، وقرأ المعقول على ابن الدارس ، وكان يستحضر جملة من شعر العرب والمولدين والمتأخرين ، ويعرف خطوط الأشياخ لا سيما أهل الغرب .
وكان نقده جيدا ، وذهنه يتوقد ذكاء ، قد مهر في كل ذلك ، إذا تحدّث في شيء من هذه العلوم ، تكلم على دقائقه وغوامضه ونكته ، حتى يقول القائل : إنما أفنى عمره في هذا الفن ، وكان قد قرأ النحو على يحيى بن الفرج بن الزيتون ، والأصول على محمّد بن عبد الرحمن قاضي ، قال لي شيخنا العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي - رحمه اللّه تعالى - ، وهو ما هو : أنا ما أعرف أحدا مثل الشيخ ركن الدين ، وقد رأى من رآه من الفضلاء .
وأخبرني شيخنا الحافظ فتح الدين بن سيد الناس ، قال : قدم إلى الديار المصرية وهو شاب ، فحضر سوق الكتب ، والشيخ بهاء الدين بن النحاس حاضر ، ومع المنادي ديوان
هامش
( 1 ) ابن الحاج هو : أحمد بن محمد بن أحمد الأسدي . ( انظر : البغية : 1 / 359 ) .