تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
والمتأخرين ، كأن الجميع كان يكرر عليه البارحة . وتولى نيابة الحكم بالقاهرة لقاضي القضاة المالكي مدة ، ثم إنه تركها تديّنا منه ، وقال يتعذر فيها براءة الذمة ، وكانت سيرته فيها حميدة ، ولم يسمع عنه أنه ارتشى في حكومة ، ولا حابى أحدا ، وكان كثير التلاوة ، وكان ينام أول الليل ثم يستفيق ، وقد أخذ راحة ، وأخذ كتاب الشفاء لابن سينا ، ينظر فيه لا يكاد يخل بذلك ، قال لي الشيخ فتح الدين : قلت له يوما : يا شيخ ركن الدين ، إلى متى تنظر في هذا الكتاب ! فقال : أريد أن أهتدي . وكان فيه سأم وضجر ، حتى في لعب الشطرنج ، يكون في وسط الدست وقد نفضه ، وقطع لذة صاحبه ، ويقول : سئمت سئمت ، وكذلك في بعض الأوقات يكون في بحث ، وقد حرر لك المسألة ، وكادت تنضج وتتضح ، فيترك الكلام ويمضي . وكان حسن الودّ جميل الصحبة ، يتردد إلى الناس ، ويهنّيهم بالشهور والمواسم من غير حاجة لأحد ؛ لأنه كان معه مال ، له صورة ما يقارب الخمسين ألف درهم ، وكان يتصدّق سرا على أناس مخصوصين ، وكان مع هذه العلوم لثغته بالراء قبيحة يجعلها همزة ، وكنت أنا وهو قد طلعنا إلى القلعة ، فجاء في الطريق ذكر الراء واللثغة بها ، فأخذ يسرد عليّ ما يمكن من اللثغة بها ، وعدّ أنها تغير لغالب حروف المعجم ، وأخذ يذكر أمثلة ذلك . وكان إذا رأى أحدا يضرب كلبا أو يؤذيه ، يخاصمه وينهره ، ويقول له : ليس تقفل هذا ، أما هو شريكك في الحيوانية ، وكان خطه مغربيا وليس بجيد ، وكنت كثيرا ما أجتمع به ، وآخذ من فوائده الغامضة ، وكتبت له استدعاء في سنة ثمان وعشرين وسبعمائة ونسخته : المسؤول من إحسان سيدنا الشيخ الإمام العلامة ، جامع شتات الفضائل ، وارث علوم الأوائل ، حجة المناظرين سيف المتكلمين : ( الكامل ) .
سبّاق غايات الورى في بحثه * فالبرق يسري في السّحاب بحثّه ويهبّ منه بالصّواب صبا لها * برد على الأكباد ساعة نفثه ويضوع من تلك المباحث ما يرى * أشهى من المسك السّحيق وبثّه
المتكلم الذي ذهلت بصائر أولي المنطق نحوه ، وأنتجت مقدماته المطلوب عنوة ووقف السيف عند حدّه ، فما للآمدي في مداه خطوة ، وحاز رتب النهاية ، فما لأبي المعالي بعدها خطوة ، فهو الرازي على الرازي ؛ لأن قطب علومه من مصره ، ومحصوله ذهب قبل دخول أوانه وعصره ، والفقيه الذي رفع لصاحب الموطأ أعلام مذهبه مذهبة ، فمالك عنه رضوان ، وأسفر وجوه اختياره ، خالية من كلف التكلف ، حالية بالدليل والبرهان ، وأبرزها في حلاوة عبارته ، فهو جلّاب الجلّاب ، وأظهر الأدلة من مكامن