يهزّ نظامك أعطافنا * كأنّ قوافيك بنت الكروم
وتحكي الرّياض بأسطارها * نسيبك فيها نسيب النّسيم
وبعد فإنّي في وحشة * سميري أذكاري وصبري حميم
يقبّل الأرض ، وينهى ورود المشرّف الكريم ، فوقف الملوك لوروده ، وقبّل من سطره وطرسه عذار آسه ووجنة وروده ، ومتّع ناظره من جنّته الناضرة بحدائق ذات بهجة وفداه ، لما رآه بسواد العين وسويداء المهجة ، وتحقّق أن أبا ذر حديثه أصدق لهجة ، فلم يرتب فيما ادّعاه من المحبة ، وقال لا شبهة في وداد ابن قاضي شهبة : ( الكامل )
قلبي لديك أظنّه * يملي عليك وتكتب
فكتب هو الجواب عن ذلك : ( الكامل )
ساق الحمام إلى لقائك نائحا * صبّ تذكّر نازحا أو طانه
فاهتزّ قلبي باهتزاز أراكه * طربا وهيّج شجوه أشجانه
ودعا وقد بلّ النّدى أذياله * صبحا ورصّفت الصّبا أفنانه
وشكا كما أشكو الحمام وإنّما * لم يجر مثلي بالبكا أجفانه
ومع الإعانة أذكر العيش الّذي * ما زلت أفدي بالحياة زمانه
حتّى إذا حسر الصّباح قناعه * وجد النّهار سوره وأبانه
غنّى وصفّق طائرا بقوادم * تدنيه إن أنأت نوى جيرانه
فبكيت محزونا وقلت تعلّلا * ليت الحمام أتمّ لي إحسانه
يقبّل الأرض ، وينهى ورود الجواب الجريم ، عما كان تهجّم الملوك من العبودية ، والأبيات التي بان بتلك المراجعة قصورها ، وتضعضع بتلاوة سور تلك العوذ الصلاحية سورها وصورها ، فقابل العبد ذلك الفضل الخليلي مسلما إليه وعليه ، ووقف سيف ذهنه الكالّ عنده ، فإنه ينفق مستجديا ، ومولانا ينفق مما أفاه اللّه وأفاض من سعة فضله عليه ، يا ألف مولاي قد تجاسر العبد ، ولكن واللّه مقتبسا من أنوار فضائلك وتهجّم ، ولكن ملتبسا من مبارّ شمائلك ، ومع هذا فعين اللّه على ميم منطقك ، وحاء حمايته على راء رونقك ، فإنك فداك الأعداء ، حر غمر بالجود ، ومولى بمزيّه مزيد شانه الحسود ، وما زال الملوك من ورود ذلك المثال العالي يتحلّى بألفاظ شهدته ، ويتأنّس بمعاينة الوارد عن وحيد العصر ، فما يشكو ألم وحدته ، يا مخدومي من أين للقائل سواك أن يقول :
وأنست حلاوته شهدة * ورقّت حواشيه لابن العديم