ولغنّام أبي طاهر بن غنّام ، ثم إن الإمرة انتقلت إلى أبي بكر بن علي بن حديثة ، وعلا فيها قدره ، وبعد صيته .
ولما كان من البحرية ما كان ساقت تصاريف الدهر الملك الظاهر بيبرس إلى بيوتهم وهو طريد شريد ولم يكن معه سوى فرس واحد يعوّل عليه فسأل علي بن حديثة فرسا يركبه فلم يعطه شيئا وكان ذلك بمحضر من عيسى بن مهنا ، فأخذه عيسى إليه ، وضمّه وآواه ، وأكرمه وقراه ، وخيره في رباط خيله ، فاختار منها فرسا ، فأعطاه ذلك وزوّده ، وبالغ في الإحسان إليه ، فعرفها الظاهر له ، ولما تسلطن الظاهر انتزع الإمرة من أبي بكر بن علي ، وجعلها لعيسى بن مهنا ، وأتاه أحمد بن طاهر بن غنّام ، وسأله أن يشركه معه في الإمرة ، فأرضاه بأن يعطيه إمرة ببوق ، وبقي أبو بكر بن عليّ شريدا طريدا ، تارة بنجد ، وتارة بأطراف الشام ، إلى أن مات ، وأمّنه وعلت درجة عيسى بن مهنا عند الظاهر ، ولم يزل معظّما إلى أن مات .
ثم إن الإمرة صارت لولده الأمير حسام الدين مهنا ، هذا في أيام الملك المنصور قلاوون ، وعلت مكانته أكثر من مكانة أبيه .
قال شيخنا شهاب الدين محمود : حضرت طرنطاي المنصوري ، وهو مخيّم بالخربة ، وقد حضره أحمد بن حجّي أمير آل مري « 1 » ، يدّعي بألف بعير أخذتها آل فضل لعربه ، ومهنّا حاضر ، وكل منهما جالس إلى جانب من طرنطاي ، فألحّ أحمد بن حجي في المطالبة ، واحتدّ وارتفع صوته ، ومهنا ساكت لا يتكلم ، فلما طال تمادي أحمد في الضجيج ، وتمادى مهنا في السكوت ، أقبل طرنطاي على مهنا ، وقال : ما تقول يا ملك العرب ! فقال : وما أقول نعطيهم ما طلبوا ، هم أولاد عمّنا ، وإن كانت لهم عندنا هذه البعيرات أعطيناهم حقّهم ، وإن كان ما لهم شيء فما هو كثير ، إذا أعطينا بني عمّنا من مالنا ، فقال أحمد : ألا قل تكلم ، وزاد في هذا ومثله ، ومهنا ساكت ، فلما زاد رفع مهنا رأسه إليه ، وقال : يا أحمد ، إن كان كلامك عليك هيّنا ، فكلامي أنا عليّ ما هو هيّن ، وهذه الأباعر أقل من أن يحصل فيها كلام ، وأنا أعطيك إياها ، ثم قام فقال طرنطاي : هكذا واللّه يكون الأمير .
ولم يزل مهنا على إمرته إلى أن جاءت الدولة الأشرفية ، ولما خرج الأشرف ؛ لفتح قلعة الروم ، مرّت العساكر بسرمين إقطاع مهنا ، فأكلت زروعها ، وآذت أهلها ، فشكوا إلى مهنّا أذية العساكر ، فشكا إلى الأشرف ، فعزّ على الأشرف ، واستنقص همّته ، وقال : كم
هامش
( 1 ) انظر : شذرات الذهب : 5 / 376 .