ثم وقف قائما ورقص ، فتأكّد الخبر عندنا بموت الأشرف ، فلما فتح علينا من الغد سألنا الفتّاح والسجانين فأنكروا ، ثم اعترف لنا بعضهم ، فكان ذلك أعظم سرور دخل على قلبنا .
ولما خرجوا من السجن شكوا احتياجهم إلى النساء ، فأطلق لهم جماعة من الجواري الأشرفيات ، ولم يكن مرادهم بذلك إلا التشفّي ، وأعيد الجماعة إلى أهلهم إلا مهنا ، فإنه أخّر مدة ، ثم جهّز ، ولما خرج من دمشق لحقه البريد من دمشق إلى ثنيّة العقاب ، بأن يعود فامتنع ، وتوجّه إلى أهله ، وكانوا قد ندموا على إطلاقه ، ثم إنه قدم مصر بعد ذلك مرات ، وهو كالطائر الحذر الذي نصبت له الأشراك في كل مكان ، وآخر مرة قدمها في أوائل الدولة الناصرية الأخيرة سنة عشر وسبعمائة ، وكان بلرلغي الكبير مملوك مهنا ، وهو الذي قدمه ، فلما وجده قد أمسك ، تحدّث فيه مع السلطان ، وقال : هذا مملوكي ، وقدمته ؛ ليعطى إقطاعا في الحلقة ، فأعطى فوق حقّه حتى جعلتموه ملكا من الملوك ، وأنا أريد أن تأخذ كل ماله ومماليكه ، وتعطيه إياه برقبته ؛ ليكون عندي إلى أن يموت ، فوعد بذلك ، ثم إن بلرلغي مات في ذلك الوقت ، فقيل له : قد مات ، فعزّ ذلك عليه من عدم قبول شفاعته ، مع ما كان يمت به من سوابق الخدم للسلطان ، لما كان في الكرك .
وخرج مهنا ، وقد طار خوفا ورعبا ، ولما اجتمع بقراسنقر ، وكانت بينهما صداقة مؤكدة قديمة ، وكل منهما مستوحش ، فجدّدا الأيمان والعهود على المضافرة ، وأن لا يسلّم واحد منهما صاحبه .
ولما توجه قراسنقر إلى حلب زاره مهنا ، وخلا به ، فأراه قراسنقر كتابا من السلطان إليه ، فيه إعمال الحيلة على إمساك مهنا ، فقال له مهنا : فما أنت صانع ؟ قال : أنا أطيعه فيك وأجاهره ، وهو يجعلني وكده ودأبه ، فمن يحميني منه إن قصدني ، قال له مهنا : تجيء إلينا ، فتحالفا على ذلك ، ثم إن مهنا وفّى لقراسنقر لما توجه إليه - على ما مرّ في ترجمة قراسنقر - ، وأجاره .
وأما زوجة مهنا عائشة بنت عساف ، فإنها بالغت في خدمة قراسنقر ، وكانت تقول لمهنا : يا مهنا ذكر الدهر لا تدعه ، وكذلك محمّد بن عيسى بن علي الأفضل بن عيسى بن مهنا أخو مهنا ، فما كان رأيه إلا التقرب بإمساك قراسنقر والجماعة إلى السلطان ، فكانت عائشة تقول : تعسا لأم ولدت الفضل بن مهنا ، وكتب مهنا إلى السلطان يستعطفه ، ويقول :
هؤلاء مماليكك ومماليك أبيك وكبار بيتكم ، وقد هربوا من الموت ، وسألوا أن تكفّ عنهم ، وتهبهم البيرة لقراسنقر ، والرحبة للأفرم ، وبهسنا للزردكاش ، وإذا حصل مهم جامع للإسلام حضروا إليه ، وجاهدوا بين يديك - على ما مرّ في ترجمة قراسنقر - .
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 290
مساهمون: خليل الصفدي
ص٢٩٠