تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 291

مساهمون:

ص٢٩١
وما اطمأنّوا وجهّزهم مهنا إلى خربندا ، وقال له : متى حميت هؤلاء كنت أنا في طاعتك ، وخفرت الرّكب العراقي ، وسيّرهم مع ابنه سليمان ، وجهّز معهم لخربندا ومن حوله خيولا مسوّمة من جهته ، فقوبلوا بالإكرام والرعاية ، وخلع على سليمان ، وأطلق له أموالا جمّة ، وجهّزت لمهنا خلع وإنعامات ، وبر الغ بالبصرة له ولأهله ، ومعها الحلة والكوفة وسائر البلاد الفراتية ، واشتدت الوحشة بينه وبين السلطان الملك الناصر محمّد ، فأعطى الإمرة لأخيه فضل ، وتظاهر مهنا بالمنافرة والمباينة والوحشة ، وحضر إلى خربندا فأكرمه غاية الإكرام ، وأجلّه نهاية الإجلال ، وقرر أمر الركب العراقي ، وأعطى عصاه خفارة لهم وتأمينا ، وضاع الزمان ، وامتدّت الأيام والليالي في المراوغة من مهنا ، وهو يعد السلطان أنه يحضر إليه ، ويمنّيه ويسوّف به من وقت إلى وقت ، والبريد يروح ويجيء ، والرسل تتردد بين الأمير بهاء الدين أرسلان الدوادار ، والأمير علاء الدين الطّنبغا نائب حلب ، والشيخ صدر الدين بن الوكيل ، وما ألوى ولا عاج ، ثم كان أولاده وإخوته يتناوبون الحضور إلى السلطان ، وهو ينعم عليهم بمئين ألوف ، وبالإقطاعات العظيمة والأملاك ، وهم يمنّونه حضوره ، ويعدونه بقدومه ، ومهنا لا يزداد إلا حذرا ، والسلطان لا يزداد إلا طمعا في حضوره ، ومع ذلك في هذه المدة جميعها ، ما تنقطع المراسلات بينهما والمكاتبات والشفاعات ، وإذا ظهرت للمسلمين مصلحة نبّه مهنا عليها ، وأشار إليها ، وكان السلطان يقبل نصحه . ثم لما كان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة توجّه مهنا بنفسه من ذاته إلى السلطان ، ووصل إلى دمشق يوم الجمعة الرابع من ذي الحجة من السنة ، ودخل الديار المصرية ، فأكرمه السلطان غاية الإكرام ، وأنعم عليه بإنعامات كثيرة إلى الغاية ، وعاد مهنا راجعا إلى بلاده ، وكان دخوله قلعة الجبل نهار الأحد العاشر من الحجة ، وعاد إلى دمشق ، فدخلها في السادس من المحرم سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ، ولم يزل بعد ذلك ، إلى أن توفي في التاريخ المذكور . وله من الأولاد جماعة ، وهم : موسى ، وسليمان ، وأحمد ، وفيّاض ، وحمام ، وهيازع ، وحيار ، وجويف ، وقارا ، وشعبة ، وتوبلة ، وعنقا . ومن سيادة مهنا ما حكاه لي زغبان بن عبد المؤمن الشقاري التدمري حاجب الأمير معيقل بن فضل يومئذ ، قال : كان قد دفن الأمير فضل دفينا في الأرض من الذهب مبلغه اثنا عشر ألف دينار ، ثم إنه طلبه في وقت ، ولم يجده في المكان الذي دفنه ، وإنه اتهم به محمّد بن نجام حاجبه ، ولم يذكر له ذلك ، وإن ابن نجام بلغه ذلك ، فخاف ابن نجام من الأمير فضل ، وتوجّه إلى مهنا ، وشكا حاله إليه فأعطاه مهنا اثني عشر ألف دينار ، فأخذها
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 291 | خليل الصفدي