تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
جهد ! ما أوذوا حتى تواجهني بالشكوى ، وما كان يغتفر هذا الفعل لهذا الجيش العظيم الخارج ؛ لأجل إذلال العدو ، وقصّ جناح الكفر ، وأسمعه من هذا ومثله . ثم لما كان الفتح ركب الأشرف في الفرات في خواصه ، ومعه جلساؤه من بني مهدي ، وكانوا يضحكونه ، فجاء مهنا بن عيسى ، فأمر بمدّ الإسقالة له ؛ ليدخل ، فلما دخل عليها غمز عليه ، فحرّكت الإسقالة ، فوقع في الماء وتلوّث بالطين ، فهزأت به بنو مهدي ، وضحك الأشرف ومن حوله ، وطوى مهنا جوانحه على ألمها ، ثم إنه استأذن في الانصراف إلى بيوته ، فأذن له وقال : إلى لعنة اللّه ، فأسرّها مهنا في نفسه ولم يبدها ، وركب من وقته ، وتوجّه إلى أهله ، وأقام عندهم على حذر ، ثم لما عاد الأشرف ، ونزل بحماه ، بعث إليه مهنا بخيل وجمال فقبلها ، وخلع على رسوله ، وبعث إليه خلعة سنيّة ؛ ليطمأنه بذلك ، ثم يكسبه ، فلما جاءت إليه لبسها ؛ إظهارا للطاعة ، وارتحل لوقته ضاربا وجه البرية ، فلم يتمّ للأشرف ما أراده منه ، وعاد إلى مصر ، وفي نفسه من إمساك مهنا وإخوته وبنيه ، وظن مهنا أن لا حقد عنده ، فلم يلبث الأشرف أن خرج إلى الكرك ، وخرج منها على أنه يتصيّد كباش الجبل ، فعمل له مهنا ضيافة عظيمة ، فحضرها الأشرف وأكل منها ، ولما فرغ من ذلك ، أمسك مهنا ومعه جماعة ، وجهّزهم إلى مصر وحبسهم في برج القلعة ، وضيق عليهم إلا في الراتب لهم ، وكان مهنا في الحبس لا يأكل إلا بعد مدة ، وإذا أكل أكل ما يقيم رمقه ، ويصلّي الصبح ، ويدير وجهه إلى الحائط ، ويصمت ولا يكلم أحدا حتى تطلع الشمس ، ثم يقوم بعجلة وسرعة ، ويأخذ كفا من حصى وتراب كان هناك ، ثم يزمجر ويرمي به إلى الحائط كالأسد الصّائل ، فلما خرج الأشرف إلى الصيد ترك ذلك الفعل ، فقيل له في ذلك ، فقال : قضي الأمر ، ولم ير منبسطا إلا في ذلك الحين . قال القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل اللّه : حدّثني الأمير مظفّر الدين موسى بن مهنا ، قال : لما كنا في الاعتقال كان عمي محمّد بن عيسى مغرى بدخول المرتفق والتطويل فيه ، وكان المرتفق مقاربا لدور حريم السلطان ، أو لبعض الأمراء ، فقلت له في ذلك ، فقال : يا ولد مهنا لعلي أسمع خبرا من النسوان ، فإنهن يتحدّثن بما لا يتحدث به الرجال ، فبينما نحن ذات يوم ، وإنما بمحمّد قد خرج ، وقال : بشراكم قد سمعت صائحة النساء تقول : وا سلطاناه ! ، فقلنا له : دعنا مما تقول ، فقال : هو ما أقول لكم . وكان لنا صاحب من العرب تنكّر ، وأقام بمصر ، وكان يقف قبالة مرمى البرج الذي نحن فيه ، ويومئ إلينا ، ونومئ إليه ، غير أنه لا يسمعنا ولا نسمعه ، فلما كنا في تلك الساعة ومحمّد يحدّثنا ، وإذا بصاحبنا قد جاء وأومأ ، ثم مدّ يده إلى التراب ، وصنع فيه هيئة قبر ، ونصب عليه عودا عليه خرقة صفراء ، كأنها صنجق سلطاني ، ثم نكّسها ، وقعد كأنه يبكي ،