وما شئت إلا أنّ فضلك بعد ما * ترحّلت يرويه عطاء « 1 » وجابر « 2 »
فلا تلزمنّي بالجواب وبالجوى * لبعدك يكفيني الحنين المسامر
وشوقي إلى ما فاتني من فضائل * تقصّت لها عندي البحور الزّواخر
وإنّي إذا ما عنّت الورق نادب * وإنّي إذا نام الخليّون ساهر
فلا زالت العلياء حالية الطّلى * بألفاظك الحسنى فهنّ جواهر
يقبّل الأرض التي تضع الملائكة بها الأجنحة ، ويدّخر بها من بركات الدعاء نفائس الأسلحة ، تقبيل من عدم أنسه ، وفقد من السرور فصله ونوعه وجنسه ، وعلم أن بهجته من الزمن كانت عارية ، فاستردّها وكذلك العواري ، وتبيّن أن الفراق جعل القلب مملوك الجوى ، والعبرات جواري ، وتحقق أن الدهر ناقد ، فأعدم كل مسلم للنوى شرط البخاري .
( الطويل ) .
وكنّا كما نهوى فيا دهر قل لنا * أفي الوسع يوما أن نعود كما كنّا
على أن المملوك يصبّر نفسه على فراق مولانا ويتجلّد ، ويعلل قلبه باجتماع الشمل ، فإنه ألف : ( الطويل ) .
أأحباب قلبي والّذين بذكرهم * وترداده طول الزّمان تعلّقي
لئن غاب عن عيني بديع جمالكم * وجار على الأبدان حكم التّفرّق
فما ضرّنا بعد المسافة بيننا * سرائرنا تسري إليكم فنلتقي
وينهى ورود المشرفة الشريفة ، لا بل كنز الفصاحة التي لو أنفق البليغ مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّها ولا نصيفه ، بل كعبة الحسن التي لا تزال الألباب بها طائفة والعيون مطيفة ، لا بل الغادة الحسناء التي تقرر بها الاستحسان في مذهب أبي حنيفة ، فوجد مقام الجواب عنها ضنكا ، ووقف لها واستوقف ، وبكى واستبكى ، وقال : ( الطويل ) .
لك الفضل سبّاقا به كلّ غاية * وما لك فيه من شبيه ولا مثل
وقد كنت مسعودا لو انّي سابق * بكبتي عن شوقي ولكن بكت قبلي
وقد شجع المملوك نفسه ، وأرسل الجواب في هذا الورق الأحمر لأمر يرجو فيه خيرا ؛ ولأن الحمرة دليل الخجل ، إذا نشرت بين يدي مولانا ، الذي حمد البيان عند صباحه
هامش
( 1 ) عطاء هو : عطاء بن أبي رباح القرشي ، المتوفى في سنة 114 ه . ( انظر : السيرة : 5 / 78 ) .
( 2 ) انظر : الوافي بالوفيات 11 / 30 .