وكتبت أنا إليه : ( البسيط ) .
لا أنسى يوم المرج حين غدت * أمطاره بدموع العين تمتزج
كم في الختام فتوق كالعيون غدت * أجفان رفرفها بالرّيح تختلج
وكتبت إليه في السنة الثانية ، ونحن بالمرج أصف حرّ الظهائر : ( السريع ) .
مرج دمشق عجب أمره * في الطّيب والكره غدا خارجا
كم نسخ الحرّ به للنّدى * وكان مرجا فغدا مارجا
وكتب هو إليّ ملغزا : أيها العالم الذي فاق علماء زمانه ، وعلا قدرا في معانيه وبيانه ، وقام بصلاحه عماد الأدب بعد هوانه ، ما اسم شيء سداسي الحروف ، ظرف للعشرات والألوف ، لا تنفك علتاه الصورية والغائية عن عاطف ومعطوف ، يمنع من القنص ، ويتخذ كاتخاذ القفص ، ولا يوصف جلده ببهق ولا برص ، أعجمي المسمى حرم دان لمن تأمله ، ورزق حزما إن صحّف نصفه ، كان من علل العروض ، وأتى عقابا ؛ ليعمله غير ركوض ، وربما دخل تصحيفه في ألقاب الإعراب ، وأتى مشكورا من ذوي السيادة والآداب ، وإن اعتبر نصفه الثاني فهو مرادف قريب ، واستحب من الحبيب وإن قلب ، كان للرؤساء مكانا ، وربما أضيف إلى قبيلة إذا أردت بيانا ، فاكشف لنا أيها العالم عن معمّاه ، فما برحت تكشف عن وجوه الإعجاز حجابها ، وتكسف نور الشمس وترفع جلبابها ، وتنزع عن المعميات بنور بصيرتك ثيابها .
فكتبت أنا الجواب إليه ، وهو في حرمدان : يا فريدا جمع اللّه فيه فنون الآداب ، ووحيدا علا عن الأشكال والأضراب ، وخبرا بل بحرا زخرت بالعلوم أمواجه وابل للإضراب ، نزّهت بصري وبصيرتي في هذه الحدائق التي لا تزال العيون إليها محدّقة ، ولا تبرح كواكبها في سماء بلاغة لا يسبح قمرها في الطريقة المحترقة ، فرأيتك قد ألغزت في ظرف حوى حسن الشكل والظرف ، وفي الألف والنون والتركيب ولا يمنع من الصرف ، وسدساه الأولان ثلثا حرف ، وسدساه الآخران حرف يعبّر بألفاظه عن بابك المعمور للخائف ؛ لأنه حرم قريب لا يوجد به خائف ، حرز لما يودع فيه وهذا الوصف له من أجلّ الوظائف ، ذو جلد على الغربة فبينا هو بالبلغار إذا هو بالطائف ، ليس بعربي وعهده بالعجم قد تقادم ، وليس هو من بني آدم ، وإذا قلبته وجدت به آدم ، ولا يفوه بكلمة ومتى عكس ثلثاه نادم ، يتلوّن ألوانا ، وما ضمّ جسده حسدا ، ونصفه مرح إذا قلب ، وسدساه داء ، وكله يرى ما بين جنبيه لا جفنيه رمدا ، يماثل قول المحاجي الأديب ، مأمن للخائف قريب ، وله خواص أخر عجيبة وصفات بعيدة ، إلا عن ذهنك الصافي فإنها قريبة .
هذا ما ظهر للمملوك منه ، وكشف له من الغطاء عنه ، فإن وافق الصواب فهو بسعادتك وبركات خاطرك ، يا شيخ الشيوخ ويمن إرادتك ، وإلا فالعذر ظاهر في القصور ،