الطيالس ، ويقبلون شفاعته ما عسى أن تكون ، ويثقون إلى ما عنده من التأنّي والسكون :
فأمرهم ردّ إلى أمره * وأمره ليس له ردّ
ومع هذا فكان ساكنا وادعا ، رادا على من اتصف بالشر رادعا ، أخلاقه تعلم النسمات ، حسن الهبوب ، ويغفر لها ما يعدّه الناس للدهر من الذنوب .
ولم يزل على حاله إلى أن اعتلّ ، ورماه الموت بدائه وانسلّ ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بكرة الأحد سادس ذي القعدة سنة ثلاث وستين وسبعمائة ، ودفن بتربته بمقابر الصوفية ، وكانت جنازته حافلة .
قال لي : قرأت القرآن على الشيخ تاج الدين الرومي ، وعلى الشيخ إبراهيم القبج ، وقرأ الحاجبية على ابن إمام المشهد ، وقرأ مختصر ابن الحاجب ، وحفظ التنبيه ، وأذن له الشيخ كمال الدين محمّد بن الزملكاني بالإفتاء ، ودرّس في حلب بالنورية وغيرها ، واشتغل على ابن خطيب جبرين قاضي حلب في الأصول ، وقرأ في الهيئة على أمين الدين الأبهري ، وكان يستحضر من كليّات القانون جملة ، وعلى ذهنه من العلاج جملة وافرة ، ويستحضر من قواعد المعاني والبيان مواضع جيدة .
وولي في حياة والده نظر الخاص المرتجع عن العربان ، ثم نقل إلى كتابة الإنشاء بحلب ، وكان الأمير سيف الدين أرغون نائب حلب يقرّبه ويحبه ، ويحضر عنده في الليل ، ويقول له : يا فقيه ، ودخل به إلى توقيع الدست في حلب ، وتولى تدريس المدرسة الأسدية بحلب سنة أربع وأربعين وسبعمائة ، ثم إنه ولي كتابة السر بحلب ؛ عوضا عن القاضي شهاب الدين بن القطب سنة تسع وثلاثين وسبعمائة ، وتولى قضاء العسكر بحلب في أيام الأمير سيف الدين طرغاي الجاشنكير نائب حلب .
ولما توفي زين الدين محمّد بن الخضر « 1 » كاتب سرّ دمشق ، طلب الأمير سيف الدين يلبغا من السلطان ، أن يكون القاضي ناصر الدين عنده بدمشق كاتب سر ، فرسم له بذلك ، ووصل إلى دمشق في الرابع عشر من جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وسبعمائة ، فباشر كتابة سرّ دمشق ، وبيده تدريس الأسدية بحلب ، إلى أن مات بدمشق ، وبيده أيضا قضاء عسكر حلب ، وهو بدمشق إلى أن نزل عنه لمن بذل له شيئا ، ثم إنه تولى تدريس المدرسة الناصرية الجوّانية بدمشق ، وتدريس المدرسة الشامية الجوانية ، ومشيخة الشيوخ .
هامش
( 1 ) زين الدين محمد بن الخضر هو : محمد بن زين الدين خضر بن عبد الرحمن . ( انظر : النجوم : 10 / 177 ) .