ينظم جواهرها ، أو السماء يطلع زواهرها ، أو الرياض يجلو أزاهرها ، يتلعّب بالعقول سحره الحلال ، يترشّف السمع منه كئوسا ليست نشوتها مما يجري في الجديال ، ونثره أحسن من رقم البرود ، وآنق من حلول الكواكب في منازل السعود ، وخطه يسرّ النواظر ، ويزري بالرياض النواضر ، تخال سطوره فوق طروسه ، فتيت مسك على كافور ، أو طرز صبح تطلعت من تحت أذيال ديجور .
كأن جيماته وجنات خيلانها تلك النقط ، أو محاريب فيها قناديل لا تخبو نور معانيه ولا يقط ، وكأن ألفاته ألفت الاعتدال ، فهي قدود الخرّد الغيد ، أو قضبان بان تميس من مرور النسيم ، والهمزات من فوقها حمائم ذات تغريد : ( الرجز )
فلو أعيد ابن هلال لحكى * مشيا على الرأس إليه القلما
وقال في هذا برود أحرف * كنت أراها في كتابي أنجما
ولم يزل على حاله إلى أن سكنت شقاشقه ، وقرطست عن عرض الحياة رواشقه ، توفي - رحمه اللّه تعالى - في شعبان سنة اثنتي عشرة وسبعمائة .
وكان قد خدم الشجاعي وأمير سلاح ، وبه يعرف في القاهرة .
أخبرني من لفظه شيخنا العلامة أثير الدين قال : هو رجل حسن الأخلاق ، كريم العشرة محتمل ، فيه كرم ، وله خط حسن ونثر كثير ونظم ، وجالسته مرارا ، وكتبت عنه ، وقرأ علينا من نظمه ونثره كثيرا ، وقد خمّس شذور الذهب « 1 » ، في صنعة الكيمياء تخميسا حسنا ، يقضي له بسبق النظم ، وجودة حوك الكلام ومطابقة الفصل .
وأنشدني قال : أنشدني من لفظه لنفسه : ( البسيط )
اليوم يوم سرور لا شرور به * فزوّج ابن سماء بابنة العنب
ما أنصف الكأس من أبدى القطوب لها * وثغرها باسم عن لؤلؤ الحبب
قلت : قد تقدّم لهذا المعنى نظائر في ترجمة صدر الدين بن الوكيل .
وبه قال أنشدني من لفظه لنفسه : ( البسيط )
صرّف بصرف الحميّا ما حمى طربا * فإنّ فيها لسمّ الهمّ ترياقا
دنياك معشوقة والرّاح رييقها * فارشف مراشفها إن كنت عشّاقا
هامش
( 1 ) شذور الذهب في الإكسير لأبي الحسن علي بن موسى الحكيم الأندلسي ، المتوفى في سنة 500 ه .
( انظر : الكشف عن وجوه القراءات : 2 / 1029 ) .