قلت : ما أعرف في كتب الأدب شيئا من المطوّلات ، إلا وقد اختصره جمال الدين ابن المكرم - رحمه اللّه تعالى - فمما اختصر : كتاب الأغاني ، ورتبه على حروف المعجم ، وكتاب الحيوان للجاحظ - فيما أظن - ، واليتيمة للثعالبي ، والذخيرة لابن بسام ، ونشوان المحاضرة ، ومفردات ابن البيطار ، واختصر تاريخ ابن عساكر ، وتاريخ الخطيب ، وذيل ابن النجار عليه ، واختصر كتاب التيفاشي « 1 » ، وسمّاه سرور النفس في عشرة كبار ، وجمع بين كتاب صحاح الجوهري ، والمحكم لابن سيده ، وكتاب الأزهري ، فجاء في سبعة وعشرين مجلدا ، وسمّاه لسان العرب ، وأراني ولده قطب الدين أول النسخة ، وقد قرظه من أهل ذلك العصر جماعة يصفونه بالحسن ، منهم الشيخ بهاء الدين بن النحاس ، والقاضي محيي الدين بن عبد الظاهر - فيما أظن - ، وشيخنا العلامة شهاب الدين محمود - رحمهم اللّه أجمعين - .
وأنشدني شيخنا العلامة أثير الدين تقريظا لهذا الكتاب ، ورأيته بخطه : ( الطويل ) .
أجلت لحاظي في الرّياض الدّمائث * ونزّهت فكري في فنثون المباحث
وشاهدت مجموعا حوى العلم كلّه * بأوّل مكتوب وثان وثالث
فيا حسنه من جامع لفضائل * جليل على نيل المعارف باعث
لحاز لسان العرب أجمع فاغتدى * نهاية مرتاد ومطلب باحث
به أزهرت للأزهريّ رياضه * فأنوارها تجلو دياجي الحوادث
وساد به بين الأنام ابن سيده * فمحكمه ما فيه عيث لعائث
وبرّ ابن بريّ وصحّت بنقده ال * صحاح استقلّت في براثن ضابث
وللجزريّ ابن الأثير نهاية * إذا قرئت أزرت بسبع المثالث
وكلّ محلّ إذ تقادم عهده * وليس المصلّي في السّباق برايث
وإنّ جمال الدّين جمّل كتبهم * بإصلاح ما قد أوهنوا من رثائث
لقد فاقهم علما وزاد عليهم * وأنّى يباري الرّيح عرج الأباعث
تجمّع فيه ما تفرّق عندهم * وأربى عليهم بالعلوم الأثائث
بنثر كشبه الزّهر غبّ سمائه * ونظم كمثل الزّهر بالسّحر نافث
له قدم في ساحة الفضل راسخ * ومجد قديم ليس فيه بحادث
هامش
( 1 ) التيفاشي هو : محمد بن أبي العباس . ( انظر : وفيات الأعيان : 3 / 239 ) .