سجادته ودواة الحكم زجاجة ، واتخذ فرجية مقتصدة من صوف ، وكبّر العمامة قليلا ، ونهض بأعباء الحكم بعلم وقوة ، وعمّر الأوقاف ، وحاسب العمال ، وحكم إحدى عشرة سنة ، وشهد له أهل العلم والدين أنه من قضاة العدل ، وحجّ مرات ، وانتصر لابن تيمية ، فحصل له أذى ، فتألّم وكظم ، وسار للحج بنيّة المجاورة ، فمرض من العلا ، ولما وصل المدينة تحامل ، حتى وقف مسلّما على النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، ثم أدخل .
1789 - محمّد بن مصطفى بن زكريا « 1 »
ابن خواجا بن حسن فخر الدين التركي الصلغري - بالصاد المهملة ، واللام الساكنة ، والغين المعجمة ، وبعدها راء ثم ياء أخر الحروف - ، الدوركي - بالدال المهملة ، والواو الساكنة ، والراء والكاف ثم ياء أخر الحروف - ، وصلغر فخذ من الترك ، ودورك بلد من الروم .
كان شيخا فاضلا في الأدب ، وممن ينسل إليه من كل حدب ، فقيها في مذهب أبي حنيفة نبيها ، وهمته في الرتب منيفة ، نظم القدوري « 2 » في الفقه نظما جيدا ، وضبط فروعه مقيدا ، ونظم قصيدة في النحو ، استوعب فيها أكثر الحاجبية سردا ، وأتى فيها بأحكام كثيرة ، طرّزها للنحو حلة وبردا .
وكان خطه يخجل العقود المنظمة ، والرياض التي برودها بالأزهار مسهّمة ، يتلو القرآن غالب وقته ، وله فيه نغمة طيبة أشهى من سجع الحمام في روض أينع في نبته ، مع تواضع زانه وقوّم ميزانه .
ولم يزل على حاله إلى أن أضر ، ولازم لحين أجله وأصر ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - سنة ثلاث عشرة وسبعمائة .
أخبرني شيخنا العلامة أثير الدين قال : أخذنا عنه لسان الترك ولسان الفرس ، وكان عالما باللسانين ، يعرفهما إفرادا وتركيبا ، أعانه على ذلك مشاركته في العربية ، وله قصائد كثيرة ، منها قصيدة في قواعد لسان الترك ، ونظم كثيرة في غير فن ، وأنشدني كثيرا منها .
ودرّس بالحسامية الفقه على مذهب أبي حنيفة ، وكان قد تولى الحسبة بغزة قديما ، وقد أدّب بقلعة الجبل بعض أولاد الملوك ، قلت : هو السلطان الملك الناصر محمّد ، قال :
وعمي في آخر عمره .
هامش
( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 6 / 2062 ، والوافي بالوفيات : 5 / 31 ، ونكت الهميان : 274 ، والبغية :
1 / 246 .
( 2 ) نظم القدوري هو : كتاب في فروع الحنفية للإمام « أحمد بن محمد القدوري » .