النائب ، وخلّص له مشيخة الحديث بالظاهرية ، ولم أعرف أحدا من أمراء الدولة إلا وهو يحبه ، ويصحبه ويميل إليه ، ويجتمع به ، وإنما كان الأمير سيف الدين الجاي الدوادار ، والقاضي فخر الدين ناظر الجيش منحرفين عنه قليلا ، وكذلك القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل اللّه كان منحرفا عنه .
وأقمت عنده بالظاهرية قريبا من سنتين ، فكنت أراه في كثير من الأوقات ، يصلي في كل صلاة مرّات كثيرة ، وسألته يوما عن ذلك ، فقال لي : إنه خطر لي يوما أن أصلّي كل صلاة مرتين ، ففعلت ذلك زمانا ، فخف عليّ ، فخطر لي أن أصلي كل صلاة ثلاث مرات ، ففعلت ذلك زمانا ، وخفّ عليّ ، فخطر لي أن أصلي كل صلاة أربع مرات ، ففعلت ذلك زمانا ، وخفّ علي ، وأنسيت هل قال لي : خمس مرات أو لا .
وكان صحيح العقيدة جيّد الذهن ، يفهم به النكت العقلية ، ويسارع إليها ، ولكنه جمّد ذهنه ؛ لاقتصاره به على النّقل ، ولو كان اشتغاله على قدر ذهنه ، بلغ الغاية القصوى ، ولكن كان عنده لعب على أنه ما خلّف مثله ، وكان النّظم عليه بلا كلفة ، يكاد لا يتكلم إلا بالوزن ، وفيه قلت أنا : ( البسيط ) .
لي صاحب يتمنّى لي الرّضا أبدا * كأنّما يختشي صدّي وهجراني
ويغلب النّظم ألفاظا يفوه بها * فما يكلّمني إلا بميزان
وكتبت له استدعاء بإجازته لي ، ونسخته بعد الحمدلة والصلاة .
المسؤول من إحسان سيدنا الشيخ الإمام ، العالم العلامة ، المتقن الحافظ ، رحلة المحدثين ، قبلة المتأدبين ، جامع أشتات الفضائل ، حاوي محاسن الأوائل والأواخر : ( الرمل ) .
حافظ السّنّة حفظا لا ترى * معه أن يعمل النّاس الأسنّه
مركز الدّائر من أهل النّهى * فإلى ما قد حوى تثنى الأعنّه
بديع زمانه ، نادرة أوانه ، ضابط الأنساب على اختلافها ، فهو السيل المتحدّر لا ابن نقطة ، ناقل العلم الشريف عن سلفه ، الذي وافق على المراد شرطه ، ساحب ذيل الفخر الذي لو بلغ السمعاني « 1 » جعله في الحلية قرطه ، صاحب النقل الذي إذا أتى رأيت البحر بأمواجه منه يلتطم ، والعبارة تستبق في مضمار لهواته فتزداد وتزدحم ، الذي إذا ترسّل نقصت عنده ألفاظ الفاضل ، وعجز عن مفاوضته ومعارضته كل مناظر ومناضل ، أو نظم ثبت الجوهر الفرد ؛ خلافا للنّظام فيما زعم ، وتخطى بما بيديه فرق الفرقدين ، وترضى
هامش
( 1 ) السمعاني هو : صاحب كتاب الأنساب ، " عبد الكريم بن محمد " .