تذام معاشرته ، أدبه غضّ ، والإمتاع بأنسه نضّ كريم الأخلاق ، زكي الأعراق ، كثير الحياء والاحتمال ، قلما جرح من إنسان إلا وكان سريع الاندمال .
إن كتب فما ابن مقلة عنده إنسان ، ولا ابن البوّاب إلا واقف على بابه بعصا القلم يسأله الإحسان ، ولا ابن العديم إلا له وزير ، ولا الوليّ العجمي إلا وليّ له ونصير ، وإن نثر فالعماد مائل عن طريق ، وابن الأثير لا يضرب المثل إلا في تحقيقه وتحريره ، وإن نظم فابن النبيه خامل ، وابن الذّروي « 1 » في الحضيض هامل ، والجزار ما حلت قيمه حلا قيمه صحبته مدة ، فلم أر معه من الزمان شدة ، ونمت معه ليالي وخالطته أياما ، ورعيت من حسن ودّه أراكا وبريرا وبشاما : ( الطويل ) .
له هزّة من أريحيّة نفسه * تكاد لها الأرض الجديبة تعشب
تجاوز غايات العقول مواهبا * تكاد لها لولا العيان تكذّب
خلائق لو يلقى زياد مثالها * إذا لم يقل : أيّ الرّجال المهذّب
عجبت له لم يزه تيها بنفسه * ونحن به نختال تيها ونعجب
ولم يزل على حاله إلى أن انضم على فتح الدين قبره ، وعدم من كل أحد عليه صبره ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في يوم السبت حادي عشر شهر شعبان سنة أربع وثلاثين وسبعمائة ، ودفن يوم الأحد بالقرافة جوار ابن أبي جمرة ، وابن عطا قبالة خانقاه بكتمر الساقي ، وشيّعه خلق كثير من القضاة والأمراء والفقهاء والجند والعوام ، وتقدّم للصلاة عليه قاضي القضاة جلال الدين القزويني ، وتعجّب السلطان الملك الناصر محمّد من جنازته الحفلة ، وسأل عنه ، فعرّف بحاله فقال : هذا رجل جليل القدر ، ما نعطي وظائفه إلا لمن يكون مثله .
ومولده في العشر الأول من ذي الحجة سنة إحدى وسبعين وست مائة .
وكان من بيت رئاسة وعلم ، كان ابن عمه أخيرا في زمانه ، قائدا حاجبا بإشبيلية ، وكان عند الشيخ فتح الدين - رحمه اللّه تعالى - كتب كثيرة وأصول جيدة ، كمصنّف ابن أبي شيبة ومسنده ، وجامع عبد الرزاق ، والمحلى ، والتمهيد ، والاستيعاب ، والاستذكار ، وتاريخ الخطيب ، والتاريخ المظفّري ، وتاريخ ابن أبي خيثمة ، ومسند البزار « 2 » ، ومعاجم الطبراني ، وكان قد تفرّد في وقته بالحديث في الديار المصرية .
هامش
( 1 ) ابن الذروي هو : علي بن يحيى ، شاعر مجيد ، المتوفى في سنة 577 ه . ( انظر : فوات الوفيات : 3 / 113 ) .
( 2 ) مسند البزار هو : أحمد بن عمرو بن عبد الخالق ، المتوفى في سنة 292 ه . ( انظر : الكشف عن وجوه القراءات 2 / 1682 ) .