فلما كتبت أيها الصّدر الذي يشرح الصدور شفاء ، والبدر الذي يبهر العقول سنا وسناء ، والحبر الذي غدا في التماس أزهار الأدب راغبا ، ولاقتباس أنوار العلم طالبا ، فحصل على اقتناء فرائدها واقتناص شواردها ، وألفي عقله عقال أوابدها ، ومجال مصائدها ومطار مطاردها ، بما أودعت الألمعية من المعاني المبتدعة ذهنه ، واستعادته على لسان قلمه ، وقد ألبسته الفصاحة من حسن تلك الفطنة : ( الرمل ) .
زهر الآداب منه يجتنى * حسن الإبداع ما أبدع حسنه
بارع في كلّ فنّ فمتى * قال : قال النّاس : ما أبدع فنّه
ومتى ما فاه فاض السّحر عن * غامض الأفكار منه المرجحنّه
فالآداب - حرسه اللّه تعالى - رياض هو مجتني غروسها ، وسماء هو مجتلي أقمارها وشموسها ، وبحر استقرت لديه جواهره ، وسحر حلال لم تنفث في عصره إلا عن قلمه سواحره ، فله في فنّي النظم والنثر ، حمل الرايتين وسبق الغابتين ، وحوز البراعتين وسرّ الصناعتين ، وهو مجمع البحرين ، فما طلّ الغمامة ، وله النظر الثاقب في دقائقهما فمن زرقاء اليمامة ، إن سام نظما فمن شاعر تهامه ، وإن شاء إنشاء فله التقدم على قدامه « 1 » ، فإن وشّى طرسا فما ابن هلال إلا كالقلامة ، أن أجيز لك ما عندي ، فكأنما أن أتجاوز حدّي ، لولا أن الإقرار بأن الرواية عن الأقران نهج مهيع ، والاعتراف بأن للكبير من بحر الصغير الاغتراف ، وإن لم يكن مشرعه ذلك المشرع ، فنعم قد أجزت لك ما رويته من أنواع العلوم ، وما حملته على الشرط المعروف والعرف المعلوم ، وما تضمّنه الاستدعاء الرقيم بخطك الكريم مما اقتدحه زندي الشّحاح ، وجادت به لي السجايا الشحاح ، من فنون الأدب التي باعك فيها من باعي أمدّ ، وسهمك في مراميها من سهمي أسدّ ، وأذنت لك في إصلاح ما تعثر عليه من الزلل ، والوهم والخلل ، الصادر عن غفلة اعترت النقل ، أو وهلة اعترضت الفهم فيما صدر عن قريحتي القريحة من النثر والنّظم ، وفيما تراه من استبدال لفظ بغيره ، مما لعله أنجى من المرهوب ، أو أنجع في نيل المطلوب ، أو أجرى في سنن الفصاحة على الأسلوب ، وقد أجزت لك إجازة خاصة ، يرى جوازها بعض من لا يرى جواز الإجازة العامة ، أن تروي عني ما لي من تصنيف أبقيته ، في أي معنى انتقيته ، فمن ذلك . . . ، وذكر - رحمه اللّه تعالى - ههنا ما له من التصانيف ، وقد ذكرتها آنفا ، وقد أجزت لك أيّدك اللّه جميع ذلك بشرط التحرّي ، فيما هنالك تبركا بالدخول في هذه الحلبة ،
هامش
( 1 ) صاحب كتاب نقد الشعر .