مدة ، قال : جالسته مرات ، وبتّ معه ليلة ، وسمعت بقراءته على الرضي النحوي « 1 » ، وكان طيب الأخلاق بسّاما ، صاحب دعابة ولعب ، وكان صدوقا في الحديث ، حجة فيما ينقله ، له بصر نافذ في الفن وخبرة بالرجال .
ونقلت من خط شيخنا البرزالي ، قال : كان أحد الأعيان معرفة وإتقانا وحفظا وضبطا للحديث ، وتفهّما في علله وأسانيده ، عالما بصحيحه وسقيمه ، مستحضرا للسيرة النبوية ، له حظ من العربية ، جيّد الضبط حسن التصنيف ، صحيح العقيدة صحيح القراءة ، مع الشّرعة التامة ، حسن الأخلاق جميل الهيئة ، كثير التواضع طارحا للتكلّف ، طيب المجالسة حلو المعاشرة ، خفيف الروح ظريفا كيّسا ، متوددا إلى الناس ، له الشعر الرائق ، والنثر الفائق ، والترسّل البديع .
وكان محبا لطلبة الحديث ، وصنّف سيرة نبوية ، لخّص فيها سيرة ابن هشام ، وشرع في شرح الترمذي ، عمل منه إلى الصلاة ، جمع فيه فأوعى ، وله القصائد النبوية الفائقة ، ولم يخلف في مجموعه مثله . انتهى .
وقال كمال الدين الأدفوي في تاريخه البدر السّافر : ولازم الإمام أبا الفتح محمّد بن علي بن وهب القشيري ، وتخرّج به ، وقرأ عليه في أصول الفقه ، وحفظ التنبيه في مذهب الشافعي ، وقرأ المفصّل في النحو على الشيخ بهاء الدين بن النحاس ، وبرع في الحديث والأدب ، وكتب الخط الحسن بالمغربي والمصري ، وحدّث وسمع منه جمع كثير من الشاميين والمصريين وغيرهم ، وصنّف في السّير كتابه المسمّى « عيون الأثر » ، وهو كتاب جيد في بابه ، وشرع بشرح الترمذي ، ولو اقتصر فيه على فن الحديث من الكلام على الأسانيد لكمل تصنيفه ، وتمّ ترصيفه وكان يفيد ، ولكنه قصد أن قلت :
وعاجوا فأثنوا بالّذي أنت أهله * ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
كان شيخنا المذكور حافظا بارعا ، متوقّلا هضبات الأدب فارعا ، متفننا بليغا في إنشائه ، ناظما ناثرا مترسّلا ، لم يضمّ الزمان مثله في أحشائه ، خطه أبهج من حدائق الأزهار ، وآنق من صفحات الخدود المطرّز وردها بآس العذار ، حسن المحاورة ، مأمون المجاورة ، لطيف العبارة ، طريف الشارة والإشارة ، فصيح الألفاظ ، نسي الناس ذكر قسّ سوق عكاظ ، كامل الأدوات ، جيّد الفكرة في الغوص على درر المعاني والأدبيات ، صحيح الذهن يشرق نوره ، مليح الفهم كأنه الصبح إذا ملأ الأفق سفوره ، لا تملّ محاضرته ، ولا
هامش
( 1 ) الرضي النحوي هو : الرضي الشاطبي محمد بن علي بن يوسف ، المتوفى في سنة 684 ه . ( انظر :
غاية النهاية : 2 / 213 ) .