كئوس حمامه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في الثاني من جمادى الآخرة سنة اثنين وأربعين وسبعمائة ، ودفن في مقابر ، وكان قد خطب في حياة والده قبل أن يلي القضاء ، وفي حياة المشايخ الكبار مثل الشيخ كمال الدين بن الزملكاني ، والشيخ برهان الدين بن تاج الدين « 1 » ، والشيخ تقي الدين بن تيمية ، ولما طلب والده إلى مصر ، وتولى قضاء القضاة بالشام ، استقل هو بالخطابة - فيما أظن - ، ولما طلب والده ثانيا ؛ لقضاء الديار المصرية ، بقي هو في الوظيفة ، وكان في كل سنة يتوجّه على البريد إلى مصر ، ويحضر عند السلطان ، ويلبس تشريفا ، ويقيم عند والده مدة ، ثم يعود إلى دمشق على البريد ، وكانت له بذلك وجاهة زائدة ، وصيت بعيد وقضى سعادة وافرة .
ولما عاد والده إلى قضاء الشام ، ناب والده في الحكم ، وكان قد أتقن الخطابة ، وانصقلت عبارته ، وتلفّظ بها فصيحا ، وقرأ في المحراب قراءة حسنة طيبة النغم ، ولما توفي والده ، توهّم أن يلي المنصب ، فما اتفق له ذلك ، وانعكست آماله ، ونقض حبل سعده وتعكّس ، وكلما حاول أمرا ، أدبر ولم ينجب فيه .
وطلب إلى مصر بوساطة الفخري ، ونزل عنده في القلعة ، وأقام تقدير أربعة أشهر ، وعاد وقد أكمده الحزن ، فأقام أياما قليلة ومات - رحمه اللّه تعالى - .
ولما توجّه إلى مصر بعد وفاة والده - رحمهما اللّه تعالى - كتبت أنا له توقيعا بأن يستنيب في وظائفه من يراه إلى أن يعود ، ونسخته :
أما بعد حمد اللّه الذي سيّر البدر في منازل سعوده ، وأثمر رجاه الذي أنجب لصدق باطنه وظاهره عند غرس عوده ، ورقاه إلى درجات الكمال من إنجاز وعوده ، وبلّغه أمانيه التي جاءت بها الأقدار على وفق غرضه واقتراح مقصوده ، وصلاته على سيدنا محمّد الذي أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ونوّله من الكرامات ما لا يحصر لفضله ولا يحصى ، وعلى آله وصحبه الذين لم ير عدوّ الدين في كمالهم نقصا ، ولم يكن فيهم من يخالف له مفهوم أمر ولا نصّا ، صلاة يتألق برقها في سماء الرحمة ، ويترقرق ودقها في نماء النعمة ، ما نسخت آية النور آية الظلمة ، وأضرم الشفق جمرته من الغسق في فحمة ، وسلامه إلى يوم الدين .
فإنه لما كان الجناب الكريم العالي البدري له على الأبواب الشريفة في كل حين وفادة ، وفاز من حسن النظر الشريف في كل أوان من الإنعام بإفاءة وإفادة ، وخطر في برود الوقار بين أغصان السيادة ، وتجمّل بملابس العلم الشريف مطرّزة برقوم السعادة ، واتّصف
هامش
( 1 ) سبق ذكر ترجمة له .