البرنباري .
كان كاتبا مطيعا ، ومترسّلا منطقيا ، خطه أنهج من الروضة الغنّاء ، وأخلب للقلب من الحدقة الوسنا ، كتب الرقاع والتوقيعات والثّلث من أحسن ما يكون ، وكان لبقا في كتابته وفي الحركات والسكون ، وكان خبيرا بمصطلح الديوان ، وبما يكتبه إلى الملوك من صاحب التخت والإيوان ، وكان يكتب من رأس القلم ، ويأتي في كتبه وتواقيعه بما ينسي نسمات الضال والسلم : ( الطويل ) .
جرى معه الجارون حتّى إذا انتهوا * إلى الغاية القصوى جرى وأقاموا
فليس لشمس مذ أنار إنارة * وليس لبدر حيث تمّ تمام
فهو كان أحد الكتّاب الكلمة الذين رأيتهم ، وبعتهم في الاختيار وشريتهم ، وخبرتهم وذخرتهم وقرأتهم ، وإلى مآدب هذه الصناعة دعوتهم وقريتهم .
ولم يزل إلى أن توجّه إلى القدس ؛ ليزور ، ويستنتج أم الحظ وهي مقلات نزور ، فهناك وافاه حمامه ، وبكاه من الفضل غمامه وناح عليه حمامه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في أوائل ربيع الأول سنة ست وخمسين وسبعمائة .
ومولده في شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وستمائة .
وكتب الإنشاء في الدولة الناصرية محمّد بن قلاوون بالقاهرة في شهر رجب الفرد سنة ثلاث عشرة وسبعمائة ، ولم يزل من أعيان كتّاب الإنشاء ، وكان القاضي علاء الدين ابن الأثير يستكتبه في البريد ، ولم يزل في القاهرة في جملة كتّاب الإنشاء ، إلى أن توفي القاضي بهاء الدين أبو بكر بن غانم صاحب ديوان المكاتبات بطرابلس ، فرسم له السلطان الملك الناصر محمّد بأن يتوجه مكانه ، فتوجّه إلى طرابلس ونائبها يومئذ الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك في سنة أربع وثلاثين وسبعمائة ، فرأس هناك ، وعمل الوظيفة هناك على القالب الجائر ، وداخل النوّاب ، وصار هو عبارة عن الدولة .
وفي سنة خمس وأربعين وسبعمائة كان في الشتاء نائما هو وأولاده ، فجاء سيل عظيم ، وكانت داره على النهر ، وكان للسيل ضجة من الناس وضوضاء ، فقام من فراشه ؛ ليعلم ما الخبر ، وعاد فلم يجد دارا ولا سكانا ، وراح البيت وولداه ، وأحدهما موقّع ، والآخر ناظر الجيش ، وجميع ما في البيت إلى البحر ، وانتبه الناس لهذه المصيبة العظمى ، وركب النائب ، وتوجّهوا إلى البحر ، إلى أن طلع الضوء ، وقذف الموج ولديه وهما ميّتان ، فأخذوهما ، وعمّر لهما تربة عظيمة هناك .
وصدعت واقعته قلوب الناس في الشام ومصر ، وأما هو فإنه داخله هلع عظيم ، واختلط عقله ، وبعث إلى مصر يسأل الإعفاء والإقالة ، وكنت إذ ذاك بالديار المصرية ،