ورد مع أخيه من الديار المصرية في الخامس من ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة ، وكان يعتمد على عصا إذا مشى ؛ لأنه كان به عرج يسير ، وكان بطالا ، فرسم له بعد مدة بخمسين درهما في كل يوم مرتبا على الأموال الديوانية ، إلى أن ينحل إقطاع إمرة ، فأخذ ذلك مدة ، ولما توفي الأمير ججكتو التركماني بدمشق أعطي إقطاعه بالإمرة ، وأقام على ذلك ، إلى أن مرض مرضة طوّل فيها ، وأصابه فيها فالج .
ثم إنه ابتلي بالصرع ، فكان يصرع في النهار عشر مرات ، وأكثر وأقل ، وبقي على ذلك قريبا من خمسين يوما ، حتى تعجّب الناس من ذلك ، ولم يسمع بمثل أمره ، وأغمي عليه مرات ، وجزموا بموته ، ثم إنه يفيق بعد ذلك إلى أن توفي - رحمه اللّه تعالى - في بكرة الأحد الثالث من شهر ربيع الأول سنة سبع وخمسين وسبعمائة ، ودفن بمقابر الصوفية برا باب النصر ، ومشى أخوه ملك الأمراء في الجنازة ، والأمراء والحجاب والقضاة وغيرهم ، وكانت جنازة حافلة ، وبعد دفنه مد أخوه سماطا على قبره ، أكل منه من كان حاضرا من مماليكه وغيرهم ، ولم يأكل هو شيئا ، وبات على قبره ، وجاء الناس إليه على طبقاتهم ثاني يوم بكرة .
وكتبت أنا فيه مرثيّة ، قرأها ملك الأمراء أخوه ، وهي : ( الخفيف )
إنّ حزني على الأمير قماري * علّم الورق شجوها القماري
باح سرّي فيه بمضمون وجدي * لا أواري بين الضّلوع أواري
سار فوق الأعناق للتّرب عزا * ودموع الورى عليه جواري
ونجوم الدّجى لبسن حدادا * وأرتنا تهتّك الأستاري
وعيون الغمام تبكي بجفن * وتبلّ الثّرى بدمع القطار
ولكم لطم الرّعود سحابا * فتراه مشقّق الأطمار
وجبين الصّباح شقّ فأضحى * شفق الصّبح زائد الاحمرار
ونسيم الصّبا يهبّ عليلا * بفتور في ساعة الأسحار
لو أفاد الفداء ميستا سمحنا * بنفوس جادت بغير اعتذار
وترامت من دونه للمنايا * لا توان يعوقها في توار
كاد لولا أخوه حيّ يسيل الدّ * مع في الخدّ كالدّم الموار
جرح الدّمع ثمّ آسى ببقيا * كافل الملك ذي الزّناد الواري
ملك قد حمى دمشق بعزم * آمن في مدى الرّدى من عثار