ابنة القان أزبك زوج السلطان ، وهو ابن ناس ، ولم يكن مملوكا ، ولكنه طلع يوما مع تجار المماليك ؛ ليرى السلطان قريبا ، فوقعت عين السلطان عليه ، فقال : لأي شيء ما تبيعونني هذا ؟ فقالوا : هذا ما هو مملوك ، فقال : لا بد أن أشتريه ، فوزن فيه مبلغ ثمانية آلاف درهم ، وجهّزت إلى أخيه صوصون إلى البلاد ، ثم إنه أنشأه وقدمه ، وأمره ورشّحه لكل شيء ، وأعطاه آمرية مائة وتقدمة ألف ، وصار في طبقة بكتمر الساقي ، وكان يتنفّس عليه ويفتخر ، ويقول : أنا السلطان اشتراني بماله ، وكنت من خواصه ، وأمّرني وقدّمني ، وزوجني ابنته ، ما أنا مثل غيري ، تنقّلت من التجار إلى الإصطبلات إلى الطباق .
وعمّر جامعا حسنا على بركة الفيل ، وعمّر الخانقاه المليحة العظيمة بالقرافة ، وكان السلطان يتنوّع في الإنعام عليه ، قيل : إن السلطان دفع إليه مفتاح الزردخاناة التي لبكتمر الساقي ، وقيمتها ست مائة ألف دينار .
ولما مات السلطان الملك الناصر قام هو في صف المنصور أبي بكر ، وقام في صف الناصر أحمد الأمير سيف الدين بشتاك ، واختلفا ، وفي الآخر كان الأمر على ما اراده قوصون - حسبما تقدّم ذكره في ترجمة بشتاك - ، وجلس الملك المنصور أبو بكر على التخت ، واستقرت قواعده ، ثم إن خلطاءه حسّنوا له القبض على قوصون ، وعلى غيره من الأمراء ، فبلغ ذلك قوصون ، فعمل عليه ، وخلعه من الملك ، وجهّزه إلى قوص ، وأجلس أخاه الأشرف كجك على كرسي الملك ، وحلف الناس له ، وصار هو نائبا ، وجهز الفخري إلى الكرك يحاصر أحمد ، فجرى ما جرى في ترجمة الفخري .
وكان طشتمر نائب حلب قد تنفّس أولا على قوصون ، فاستعان عليه بألطنبغا نائب دمشق ، ولما خرج من دمشق خامر الفخري على قوصون ، وحضر إلى دمشق وملكها ، وجرى ما تقدّم ، وأغرى الفخري الناس بقوصون ، وصار يقول : هذا الغريب يخلع ابن أستاذنا ويقتله ! هذا ما نصبر عليه ، وظهر الشناع على قوصون ، لما قتل أبو بكر في قوص ، وكان قد قتل جماعة من الحرافيش ، وقطع أيدي جماعة وسمّرهم ، وسمّر جماعة من الخدام ، وسمر ولي الدولة الكاتب - الذي تقدّم ذكره - وغيره ، فنفرت القلوب منه ، وأخذ الفخري يكاتب أمراء مصر عليه ، فتنكّر آيدغمش أمير آخور عليه ، وعامل الخاصكية عليه ، فاجتمعوا عنده ، وأقاموا ليلتهم عنده صورة في الظاهر معه ، وهم في الباطن عليه عيون ، ونادى آيدغمش في الناس بنهب إصطبل قوصون ، فثار العوام والحرافيش ، وخرّبوا الإصطبل والخانقاه ونهبوهما ، ونهبوا بيوت جماعته وأزلامه وحاشيته ، وهو يرى ذلك من الشباك ، ويقول : يا مسلمين ، ما تحفظون هذا المال ، إما أن يكون لي ، أو للسلطان ، فيقول آيدغمش : هذا شكران للناس ، والذي عندك فوق من الجواهر يكفي السلطان ، وكلما همّ
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 89
مساهمون: خليل الصفدي
ص٨٩