تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨

1388 - قوصون « 1 »

الأمير الكبير النائب سيف الدين الساقي الناصري . كان أميرا ، وهو في عداد الملوك الكبار ، وهو المشار إليه في أواخر الدولة الناصرية ، وما بسواه اعتبار ليس فيه شر ، ولا عنده ظلم ولا ضر ، لطيف النفس ، قليل البأس ، ولما هيجوه هاج منه ذو لبدة ضرا ، وسلوا منه حساما ما لقي الضريبة إلا فرى . نهض بخلع أبي بكر المنصور ، وأعاد ذاك الشمل ، وهو مبتوت « 2 » ومبتور ، ونثر من الدولة عقدا نظيما ، وفرّق بعزمه جمعا عظيما ، وفرّق أموالا تكاثر البحار الزخارة ، والكواكب السيارة ، إلا أن الزمان أخنى عليه أخيرا ، ورد جبره كسيرا ، وطرف سعادته حسيرا ، ولو دام على ما كان عليه أيام أستاذه لما رمي بالداهية ، ولا كانت شدته متناهية : ( الطويل )
توقى البدور النّقص ، وهي أهلة * ويدركها النّقصان ، وهي كوامل فإن رمت أهنا العيش فابغ توسّطا * فعند التّناهي يقصر المتطاول « 3 »
ولما خانه أصفياؤه وتمادوا ، وتعاونوا على خذلانه وتغادوا ، قبض عليه ، ونهبت أمواله ، وفرّق رجاله ، وخرجت عمائره وأوقافه ، وانهالت كثبه وأحقافه ، وأصبح لعدوّه رحمة ، وصار بينة ، وكانت واقعته التي عدم فيها في شوال سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة . كان أولا من أكبر خواص الملك الناصر ، لم يكن بعد بكتمر الساقي أكبر منه ، وزوّجه السلطان ابنته ، وهي ثانية ابنة زوّجها من مماليكه ، ودخل بها في سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، وكان عرسا حفلا احتفل به السلطان ، وحمل الأمراء التقادم إليه ، وكانت جملتها خمسين ألف دينار ، وكنت بالقاهرة في تلك المدة ، وصنع في ليلة عرسه الأمير سيف الدين قجليس برج بارود ونفط ، يقال : إنه غرم عليه مقدار ثمانين ألف درهم . وكان من قوصون قد حضر أولا إلى الديار المصرية مع الجماعة الذين حضروا صحبة
هامش
( 1 ) انظر : الوافي بالوفيات : 24 / 277 ، والدرر الكامنة : 3 / 257 ، والنجوم الزاهرة : 10 / 24 ، وذيول العبر : 230 . ( 2 ) البت : القطع تقول بته بيته والانبتات الانقطاع ، ويقال لا أفعله البتة لأمر لا رجعة فيه وروى قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم « لا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل » والبتات : متاع البيت وفي الحديث « لا يؤخذ منكم عشر البتات » . ( انظر : مختار الصحاح : 1 / 26 ) . ( 3 ) أن لكل شيء نهاية ولكل نهار ليل ، ولكل إنسان أجل . وما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع : وقال تعالىوَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً[ النحل : 70 ] .