ونهارا بدمشق ، وأقبل عليه إقبالا كثيرا ، وصار من أحظى الناس عنده ، ثم إنه أعطاه عشرة أرماح بدمشق ، وعلت مكانته عنده ، وتردد في البريد مرات عديدة ، ثم إنه توجّه مع الأمير سيف الدين تنكز - رحمه اللّه تعالى - لما توجه إلى مصر ، وهي آخر مرة توجّه فيها إلى مصر ، فغيّر إقطاعه هناك بالإمرة ثلاث مرات ، وولاه الحجوبية بدمشق .
ولما أمسك هو طلب سيف الدين قرمشي إلى مصر فتوجه إليه ، وأقام بها حاجبا في باب السلطان ، وكان الناس يرون أنه كان له باطن في واقعة تنكز ، وشنّع الناس بأنه نمّ على تنكز ، ورماه بما غير خاطر السلطان عليه ، - واللّه أعلم - ، فنفرت قلوب مماليك السلطان منه ، وأبغضه الأمراء .
ثم إنه في أول دولة الصالح إسماعيل طلب الخروج إلى دمشق ، فحضر إليها أميرا ، ثم رسم له بالتوجه إلى صفد أميرا ، ثم إنه بقي بها حاجبا ، ثم إنه رسم له بنيابة قلعة صفد ، فباشرها على أحسن ما يكون ، وبالغ في عمارتها ، ورمّ ما تشعّث منها ، فاجتهد في ذلك ، ثم إن الأمير سيف الدين الملك نائب صفد لما أمسك في أيام الكامل شعبان شنّع الناس ، أن الأمير قرمشي هو الذي نمّ عليه ، وكتب إلى مصر في السر ، يقول : إنه قد عزم على أنه يهرب ، فجددت هذه المرة عليه ، ولما برز الأمير سيف الدين يلبغا من دمشق إلى الجسورة ، واجتمع عليه العساكر طلبه ليحضر إليه ، فوعده بذلك ولم يحضر ، واتفق أن وردت كتب الكامل إلى قرمشي في الباطن ، فجهزها هو من جهته إلى أمراء الشام وغيرهم ، وأمسك قصاده بالكتب ، فحرّك ذلك عليه ساكنا عظيما .
ولما استقر الملك للمظفر حاجي جهّز يلبغا حاجي إلى قرمشي ، وأحضره على البريد ، وأودعه معتقلا في قلعة دمشق هو وأولاده ، وجماعة من أهله ، فأقام بها قريبا من شهر أو أكثر ، ثم أفرج عن أولاده وجماعته ، وخنق ، وأخرج في الليل في صندوق ، ودفن في مقابر الصوفية - رحمه اللّه تعالى ، وعفا عنه - .
ولما كنت بالديار المصرية سنة خمس وأربعين وسبعمائة كتبت له مرسوما بنيابة قلعة صفد ارتجالا من رأس القلم ، وهو :
« الحمد للّه الذي نصر هذا الدين بسيفه الماضي الشبا ، وأيّده بخير ولي تقصر عن بأسه سمر القنا ، وبيض الظبي ، وحصن معاقله بكفء تأرج عنه الثنا ، وطاب النبأ ، وحمى سرحه بفارس إذا أظلم العجاج أطلع في دجاه من سنانه اللامع كوكبا .
نحمده على نعمه التي لا يداني جودها غمام ، ولا يقارب حسن مواقعها تبسم زهر من ثغر كمام ، ولا يجاري سراها برق تسرع جواده في ميدان ظلام ، ولا يحاكي تواخيها في نواحيها ، ونشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له ، شهادة رقم الإيمان برودها ،
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 69
مساهمون: خليل الصفدي
ص٦٩