تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
وندب لهذا صلغاي بن حمدان ، وكان خئونا نمّاما غربال أسرار . ولما جاء قبجق وحدّثه ، وكان والدي حاضرا ، قال : فقال له : السلطان يسلّم عليك ويقول لك : قد حصل القصد بإلقاء السمعة والمهابة ، وما بقي للتتار حركة ، وأنا قد بعثني أرد العساكر المصرية من حلب ، والأمير يرجع إلى دمشق ، فقال له قبجق : لما قال لك السلطان هذا كان منكوتمر حاضرا عنده ، قال : وإلا فأين يغيب ذاك ؟ قال والدي : تفهّمت بها خيانة ابن حمدان . ثم إن ابن حمدان قطع الكلام ، وقال : يا خوند ، أنا جوعان ، وقد اشتهيت كركيا يشوى لي ، فقال : ها هنا كركي مشوي هاتوه ، فأتوا به وأنا قاعد ، فلما أتى به قال ابن حمدان : لا يقطع لي أحد ، أنا أقطع لنفسي ، ثم إنه أخرج سيخا كان معه ، وجعل يقطع برأسه ويأكل ، ثم قطع بسفل ذلك السيخ ، وقدّمه لقبجق ، وقال له : أنا قد قطعت لك ، وأنت إن اشتهيت تأكل ، وإن اشتهيت لا تأكل ، ففهم قبجق أنه قد سمّ له ما قطعه له ، وغضب ، واربدّ وجهه واسود ، وظهر عليه ما لا يخفى من الأذى ، ثم قال : أما ما آكل شيئا . قال والدي : فقمت من عنده ، وشرع قبجق فيما هم فيه ، وهمّ بما هم به ، ثم سافر ابن حمدان إلى جهة حلب ، وكان من الأمراء الذين بها ما كان ، وركب بكتمر السلحدار دار والبكي نائب صفد عائدين إلى حمص ، حتى أتيا قبجق ، وشكيا إليه ما كان أريد بهما بحلب ، فشكا هو إليهما ما أريد به بحمص ، وأجمعوا على الرأي . وأراد قبجق تحليف الأمراء له ، وطلب من شهاب الدين بن غانم ؛ ليتولى له ذلك ، فعمل نسخة بالتحليف ، فلما حضر ؛ ليحلف ، قال له أمراء الشام : أين كاتب السر ؟ فقالوا : هو بعث هذا . فقال الطواشي ، وكان رأس الميمنة وكبير الأمراء ، والملك الأوحد بن الزاهر : ما نحلف إلا إن حلفنا كاتب السر ، فإنه أخبر بالعادة . قال والدي : فطلبت ، وأعطيت نسخة التحليف ، فوجدتها مجردة لقبجق ، فقلت : ما جرت بهذا عادة ، ثم أخذت القلم ، وأضفت فيها اسم السلطان ، ولزوم طاعته وجماعته ، فحلفوا على هذا ، وتنكّر لي قبجق ، قال : فلما رأى قبجق أن الأمر ما يتم له لاختلاف الأمراء عليه ، أعمل الرأي في الهرب ، قال : حكى لي الغرسي الحاجب ، قال : جئت إلى قبجق في الليلة التي أراد الركوب فيها للهرب ، وأخذت في لومه وعذله ، وقلت له : يا خوند ، بعد الحج إلى بيت اللّه الحرام ، وقطع هذا العمر في الإسلام ، وأمير علي تروح إلى بلاد العدو ، فقال : يا حاج ، أنا كنت أعتقد أن لك عقلا الروح ما يعدلها شيء ، وأما