فتنة ، فأما عبد اللّه فتقدّم موته ، وأما قبجق فلما صار نائب الشام هرب ، وأتى بالتتار .
وقال : قال والدي : إن الشجعاني قال مرة ، وقد جاء كتاب من قبجق : هذا قنينة دهن ورد مخبوء لكل يوم مشئوم .
ولم يزل مقدما في بيت الملك المنصور ، وهو مؤخر إلى أن مات المنصور ، وهو مؤخر ، ولما ملك ولده الأشرف أجلّه ، ونوّه بقدره ، وكان من أقرب المقرّبين إليه ، وربما استشاره في بعض الأمر .
ولما قتل الأشرف ، وملك كتبغا لم يبق لحاشيته دأب ، إلا لاجين وقبجق ، وتقصّد قبجق قص جناح لاجين حتى اتفقا ، وطردا كتبغا ، وملك لاجين ، وخيّر قبجق بين نيابة الشام ونيابة مصر ، فاختار الشام فجاء إليه ، وهو يظن أنه مالكها ، ووصل إلى دمشق يوم السبت السادس عشر من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وستمائة .
وظهر من تعظيم لاجين له أن كتب إليه « بالجناب العالي » ، وكان يكتب إليه :
« المملوك » ، ثم إن لاجين ولى جاغان - المقدم ذكره - أحد مماليكه شد الدواوين بالشام ، وكان جاغان مدلا على أستاذه ، فعمل الوظيفة على قاعدة ضاق منها قبجق وانحصر .
وكانت مراسيم قبجق ترد عليه ، فمنها ما يرده ، ومنها ما يوقفه على المشاهدة ، فنشأت بينهما منافسة ، وبقي جاغان يكتب في حقه بما يغير بينه وبين السلطان من المودة ، التي أنفقوا فيها الأعمار ، حتى اشتد تخيل لاجين منه ، وبعث إلى آقوش الأفرم - وهو ابن خالة لاجين - يقول له : تجعل بالك من قبجق ، وتعرّفنا بأخباره ، فطمع في النيابة ، وكتب بما يزكي أخبار جاغان وأقواله .
واشتد نفار قبجق ، وهمّ بالأفرام ، فجاء الأفرم البريد بطلبه إلى مصر ، ورسم لجاغان بسلوك الأدب مع قبجق ، ولا يرد له أمرا ، ولا ينقل قدما عن قدم إلا بأمره ، فأظهر قبجق الرضا ، وأسرّ ما أسر .
ثم إن الأخبار تواترت بقصد التتار أطراف الشام ، فجرّدت العساكر المصرية والشامية ، ورسم لقبجق بالخروج ، وأن يكون مقدما عليهم ، فخرج إلى حمص ، وعرض عرضا ما رأى قبله مثله « وخرج على قومه في زينته » ، وعليه قباء مزركش بالذهب مرصّع بالجواهر ، وكذلك سربه يبهر العيون ، وعليه كلوته ، كذلك وفي وسطه كاش ملبس بالذهب مرصّع بالجواهر ، وكذلك سرجه ، ونزل بحمص ، وخيّم عليها ، فقال منكوتمر للاجين : ما قصرت سلطنت قبجق ، وبعثت معه الجيوش والأمراء ، وقعدت أنت وحدك برقبتك وندمه .
وكان هذا دأب منكوتمر ، يوحش بين لاجين وبين الأمراء ، ويتقصّد إبادتهم ، فشرع لاجين في العمل على إمساك من قدر عليهم منهم ، واغتيال من لا يقدر على إمساكه ،
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 43
مساهمون: خليل الصفدي
ص٤٣