تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
وأما عقله ودهاؤه ، وحزمه وانتخاؤه ، فانفرد بافتراع ذروته ، وإحكام عروته ، يظن بالشيء قبل وقوعه ما آل إليه ، ويتخيل المقادير فتنثال عليه ، وكان فصيحا في اللغة المغلية ، مجيدا في كتابتها كما تجيده كتاب العربية . وكان لا يكاد الصيد يخرج من بين يديه سليما ، ولا يعبأ هو به أكان ظبيا أو ظليما ، لكنه اضطر في الدخول إلى بلاد التتار ، والتجاهر بالخروج منها دون الاستتار ، ولكنه شعب ما صدع ، ودمل ما جذع ، فكان في عداد التتار ، وهو مع الإسلام ، وفي ظاهر الأمر بينهم وهو في الباطن تحت الأعلام ، وداراهم إلى أن عادوا ، وبدههم بدهاء إلى أن بادوا . ولم يزل بعد ذلك يتقلّب في النيابات ، ويشفي غلة سيوفه من التتار في المصافات ، إلى أن جاءه المصرع القاسر ، واختطفه عقبان المنية الكواسر ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - بحلب ، وهو نائبها في أواخر جمادى الأولى سنة عشر وسبعمائة ، ونقل إلى حماة ، ودفن في تربته المشهورة بها . لما كان في بيت المنصور قلاوون ، كان مؤاخيا للأمير حسام الدين لاجين ، لا يكاد أحدهما يصبر ، وما زال الأمير سيف الدين قبجق مقدما في البيت المنصوري ، رأسا من رؤوس مماليكه وتأمّر ، وأستاذه ما يثق به ، ولا يركن إليه ، ولا يزال ينتظر منه بادرة ، فلا يخرجه معه إلى حروب الشام ولا تجاريده ؛ خوفا منه ؛ لئلا يهرب . قال لي القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل اللّه : حكى بلبان الطشلاقي مملوك الصالح عليّ ، قال : ركب المنصور يوما إلى قبة النصر في جماعة من خوشداشيته الأمراء الصالحية ، ونزلوا هناك في صواوين خفاف ، فأكلوا وانشرحوا ، وقام كل أمير إلى صيوانه ، فأتى المنصور بعدة خراف رمسان بدارية فقلبها ، ثم إنه تخيّر له منها خروفا من أصحّها أعضاء ، وفرّق البقية ، ثم بعث إلى كل أمير بخروف منها ، وقال : ليقم كل واحد بذبح خروفه بيده ، ويشويه بيده ، مثلما نعمل في بلادنا ، وأنا في الأول ، ثم قام فذبح خروفه الذي اختاره ، وسلخه بيده ، وأمر بنار فأوقدت ، ثم شواه بيده ، ولما انتهى طلب الأمراء ؛ ليأكلوا معه ، ثم أخذ منه الكتف اليمين ، فأكل لحمه ، ولما فرغ لحمه جرّده إلى أن أنقاه ، ثم إنه تركه قليلا إلى أن جف ، ثم قام وجعل يلوّحه على النار برفق ، ثم نظر إليه ، وأطال فيه التأمّل ، ثم تفل عليه وسبّه ، فألقاه من يده ، وكان يجيد معرفة النظر في الكتف ، فلم يجسر أحد من الأمراء على سؤاله عما رأى فيه ، فدسوا عليه أميرا سمّاه الطشلاقي قال القاضي شهاب الدين : أظنه بيسري ، فمازحه وقال له : يا خوند ، أي شيء رأيت في الكتف ؟ فقال : واللّه حاشاك قال عن هذا الصبي قبجق ، وهذا الصبي عبد اللّه عن مملوك آخر ، كان عنده من المكتسبين أيضا ، لا تخرجهم معك إلى الشام ، فهؤلاء متى صاروا في الشام هربوا ، وعملوا