وكأنّ ذاك الطّرس أصبح سلّة ال * حاوي ، وهاتيك السّطور أفاعيا
ثم إن المملوك كابر نفسه ، وقال : ربما تصحف عليه ما تصفح ، وترجى أن يكون هذا القدر هو الذي ترجح ، وجانس بين آساته وعطفه ، فذاك ترنّم ، وهذا ترنّح :
ويدلّ هجركم على * أنّي خطرت ببالكم
وعلل نفسه بقول الآخر :
إذا ذهب العتاب فليس ودّ * ويبقى الودّ ما بقي العتاب
وقال : هذا هو العتب المحمود العواقب ، وهذا التأديب الذي يعقب الرضى ولا يعاقب ، وقد عاد المملوك إلى صوب الصواب ، وتضرّع من تلك السطور على عتبات العتاب ، وظن أنما فتن :
وهذا الذّنب أوّل كلّ ذنب * وآخره إلى يوم الحساب
فليغفر مولانا هذه الهفوة ، وليقله عثرة هذه الخطوة ، التي لم يلق فيها حظوة ، واللّه يمتّع العيون والنفوس بجماله ، وجلاله ، ويزين الوجود بمحاسنه ، التي يخجل منها البدر في كماله ، بمنّه وكرمه - إن شاء اللّه - .
وحكى لي - رحمه اللّه تعالى - قال : رأيت البارحة في المنام ، كأن في بيتي نهرا عظيما صافيا ، وأنت من ذلك الجانب ، وأنا من هذا الجانب ، وكأني أنشدك : ( الخفيف )
يا خليلي أبا الصّفا لا تكدّر * منهلا من نمير ودّك أروى
فجميع الّذي جرى كان بسطا * ولعمري بسط المجالس يطوى
فقلت لي : لا بل انظم في زهر اللوز شيئا وفأنشدتك : ( المتقارب )
أيا قادم الزّهر أهلا وسهلا * ملأت البرايا هدايا أرج
فوقتك فضّ ختام السّرور * وعهدك فرجة باب الفرج
فكتبت أنا إليه عندما قصّ عليّ هذه الرؤيا : ( الخفيف )
حاشى للّه أن أكدّر عهدا * لم يزل من وفائك المحض صفوا
وإذا ما حديث فضلك عندي * ضاع منّي في نشره كيف يطوى
يا جوادا عنانه في يد الجو * د تباخلت لي بساجور كلب
لا تضع رتبة التّفضّل ، والإيث * ار فالأمر دون بذل العتب
وإذا لم يكن من العتب بدّ * فمرادي إن شئت غير الكتب
فجهزتها إليه ، وكتبت الجواب : ( الخفيف )