يا صلاح الدّين الّذي فسد العي * ش لنا مذ نأى ، وساء مقيلا
قد أتتني أبياتك الغرّ تحكي * نسمات الصّبا تجرّ ذيولا
فتذكّرت منك جودا عميما * ومحيّا طلقا ، وفضلا فضيلا
حبّذا عهدهنّ ، والعيش فيه * إذ أنا مالك إليه ، وصولا
أو نبات الرّبا يصافحه القط * ر فيغدو رطب الحيا مصقولا
ورأيت السّطور تحكي ليالي ال * قرب حسنا ، ورقّة لا طلولا
كنت أجني ثمار أنسك فيه * نّ فبدّلت بالنّوى تبديلا
حيث الخيام برمل غزّه * لي سادة عندي أعزّه
وأنا كثير حبّهم * وهم كما اختاروا عزّه
سيما جمالهم الّذي * في فضله طرفي تنزّه
مولى بعطف يراعه * طرب يرنّحه ، وهزّه
أضحى يوشّي طرسه * ويحوك بالأسجاع طرزه
يملي عليه بدائعا * يكسو المهارق خير بزّه
لو فاخر الرّوض البسي * م بكتبه لأبان عجزه
ألف حكت غصن النّقا * صدحت عليه حمام همزه
من ميم ميلي عنه لا * أدخلت قلبي تحت رزّه
وظفرت منه بمعقل * لا تطرق الأحداث حرزه
وبه تبيّن لي الهدى * وحللت من معناه رمزه
وبه ملأت يدي غنى * من فضله ، وفتحت كنزه
فاللّه يحرس مجده * ويديم للآداب عزّه
يقبل الأرض ، ويصف شوقه الذي شق الجوانح ، وجرح الجوارح ، وملأ الفؤاد فوادح ، ويذكر حنينه الذي شغله عن ذاته ، وأذهله حتى عن تمني اللقاء ولذّاته ، ونغّص صفو عيشه بالبعد ، وهذه أحسن حالاته ، وينهى ورود المثال العالي فتلقى منه أكرم وارد ، وحوى من ألفاظه الغر مصائد الشوارد ، وشافهه منها ألسن عتب لها في القلب وقع السيوف ، وإن كانت فصاحتها مثل المبارد ، وأضرمت في الحشا نيرانا لها الزفرات دخان ، والضلوع المحنية مواقد ، فقابلها بأعذاره الملفّقة ، فقالت حرارة تلك السطور : دعنا من عذرك البارد ، ونظر من تلك الحروف المنظمة إلى نونات كأنها براثن الأسود ، وإلى ميمات كأنها عيون الأساود :