عليها الحباب ، شكله أنيق ، وصدغه في خده سحالة لازورد في زنجفر سحيق ، يكتب خطا من أين للوشي رقومه ، أو للأفق الصاحي نجومه ، كأنه طرة ريحان ، أو روض فيه الطل حيران ، خصوصا إذا كتب الدرج وعلّق ، وتأنّى في تنميقه وتأنّق ، يأتيك بالعجب ، ويريك كما يقال سلاسل الذهب ، مع سرعة لا يلحقه فيها البرق إذا خفق ، ولا النور إذا سطع وولد الشفق ، يكتب الإنشاء من رأس قلمه ، ويؤلف الدر الثمين من كلمه ، وله غوص في نظم ونثر ، وتلعب بالعقول إذا نفث قلمه بسحره .
إلا أنه قصف غصنه ، ووقفت في أوائل حلبة العمر حصنه فأذواه الموت ريحانه وأراق منه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في أواخر شوال سنة أربع وأربعين وسبعمائة .
ومولده سنة إحدى عشرة وسبعمائة .
وكان قد مرض في عمره مرضا حادا مرات ، ونجّاه اللّه منها وسلمه ، إلى أن حم أجله فمات عبطه ، وكان به لديوان الإنشاء أي غبطه .
كتب هو إلي في بعض علته هذه ، ولم أعده من أبيات : ( الكامل )
مولاي كيف كسرتني فهجرتني * علما بأنّي كيف كنتم راض
أو قلت إنّي لن أعود ممرّضا * ظنّا بأنّي لا محالة ماض
فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك : ( الكامل )
أرسلتها مثل السّهام مواضي * نفذت من الأغراض في أغراض
فأتت وعتبك قد تخلّل لفظها * مثل الأفاعي بين زهر رياض
دعني من الجبروت أو من أهله * لا تجعلنّ سوادهم كبياضي
حاشاك أن تمضي وسعدك قد غدا * مستقبلا فينا ، وأمرك ماض
وقلت أنا أرثيه - رحمه اللّه تعالى - : ( الكامل )
تبكي الطّروس عليك والأقلام * وتنوح فيك على الغصون حمام
يا وحشة الدّيوان منك إذا غدت * فيه مهمّات البريد ترام
من ذا يوفّيها مقاصدها على * ما يقتضيه النّقض والإبرام
هيهات كنت به جمالا باهرا * فعليه بعدك وحشة وظلام
أسفي على الإنشاء ، وهو بجلّق « 1 » * نثاره قد مات ، والنّظّام
هامش
( 1 ) جلق : قيل إنها دمشق نفسها وقيل إنها إحدى مدنها ، وقيل هي صورة امرأة يجري الماء من فيها في قرية من قرى دمشق قال حسان بن ثابت - رضي اللّه عنه - للّه در عصابة نادمتهم يوما بجلق في -