تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فوات الوفيات والذيل عليها — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
تبلغنا العيون بما أردنا * وفي القلبين ثمّ هوى دفين
فلما سمع البيتين شهق وأغمي عليه فنضحوا الماء على وجهه ، فأفاق بعد ساعة وقد تمكن حب كل منهما من قلب الآخر ، وانصرفا وقد أصاب المجنون لوثة ولم يزل في جنبات الحيّ منفردا عاريا ولا يتكلم ، إلا أن يذكروا له ليلى فيثوب إليه عقله . فلما تولى الصدقات عليهم نوفل بن مساحق رأى المجنون يلعب بالتراب عريانا ، فسأل عنه فأخبروه بخبره وحكوا له ما هو فيه ، فأراد أن يكلمه فقيل له : ما يكلمك إلا إن ذكرت له ليلى وحديثها ، فأقبل عليه وذكرها له فثاب إليه عقله وأقبل يحدّثه بحديثه وينشده شعره فيها ، فرقّ له نوفل وقال له : أتحب أن أزوّجكها ؟ قال : نعم ، وكيف لي بذلك ؟ فدعا له بثياب فألبسه إياها ، وراح معه كأصحّ ما يكون يحدّثه وينشده ، فبلغ ذلك رهط ليلى فتلقّوه بالسلاح وقالوا : لا واللّه يا ابن مساحق ، لا يدخل المجنون منازلنا وقد أهدر السلطان دمه ، فأقبل بهم وأدبر فأبوا ، فقال للمجنون : إنّ انصرافك « 1 » أهون من سفك الدماء ، فانصرف وهو يقول « 2 » :
أيا ويح من أمسى يخلّس عقله * فأصبح مذهوبا به كلّ مذهب خليّا من الخلان إلا معذرا « 3 » * يضاحكني من كان يهوى « 4 » تجنبي إذا ذكرت ليلى عقلت وراجعت * روائع عقلي من هوى متشعب وقالوا صحيح ما به طيف جنّة * ولا الهمّ إلا بافتراء التكذب تجنّب ليلى أن يلجّ بك الهوى * وهيهات كان الحبّ قبل التجنب ألا إنما غادرت يا أم مالك * صدى أينما تذهب به الريح يذهب
هامش
( 1 ) ر : اصرافك . ( 2 ) الديوان : 78 . ( 3 ) الديوان : معذبا . ( 4 ) ر : يلهو .