ثم إنّ المجنون وأهله وعشيرته اجتمعوا إلى أبي ليلى ووعظوه وناشدوه الرحم وقالوا : إن هذا الرجل هالك ، وقد حكمناك في المهر ، فأبى وحلف بالطلاق أن لا يزوّجها به أبدا وقال : يا قوم أفضح نفسي وعشيرتي ! ! فانصرفوا عنه ، وزوّجها رجل من قومه وبنى بها في تلك الليلة ، فيئس المجنون وزال عقله جملة ، فقالوا لأبيه : احجج به وادع اللّه له فلعل اللّه أن يخلصه ، فحج به ، فلما كان بمنى سمع صارخا بالليل يصيح « يا ليلى » فصرخ صرخة كادت نفسه تزهق معها ووقع مغشيا عليه ، ولم يزل كذلك حتى أصبح فأفاق وهو حائل اللون وجعل يقول « 1 » :
عرضت على قلبي العزاء فقال لي * من الآن فايأس لا أعزك من صبر « 2 »
إذا بان من تهوى وأصبح نائيا * فلا شيء أجدى من حلولك في القبر
وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى * فهيّج أحزان الفؤاد وما يدري
دعا باسم ليلى غيرها فكأنما * أطار بليلى طائرا كان في صدري
دعا باسم ليلى ضلّل اللّه سعيه « 3 » * وليلى بأرض عنه نازحة قفر
قال العتبيّ : مرّ المجنون يوما بزوج ليلى وهو جالس يصطلي في يوم بارد ، فوقف عليه المجنون ثم أنشأ يقول « 4 » :
بربك هل ضممت إليك ليلى * قبيل الصبح أو قبّلت فاها ؟
وهل رفّت عليك قرون ليلى * رفيف الأقحوانة في نداها ؟
فقال : اللهم إذ حلّفتني فنعم ، فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من الجمر فسمع نشيش لحمه وسقط لحم كفيه مع الجمر ووقع مغشيا عليه ،
هامش
( 1 ) الديوان : 162 مع اختلاف في ترتيب الأبيات .
( 2 ) الديوان : فاجزع لا تمل من الصبر .
( 3 ) الديوان : أسخن اللّه عينه .
( 4 ) الديوان : 286 .