وهو في الآداب فارس ميدانها ، وفي القصائد أخو حسّانها ، أقام عندنا بأدفو سنين كثيرة ، لمّا كان أبوه شاهد ديوانها ، وكان الاجتماع به يذهب الأتراح ، ويجلب الأفراح ، وكانت فيه فتوّة ، ومروءة وإنسانيّة ، وألجأته المكارم إلى الدّخول في الخدم السّلطانيّة ، فما غيّرته عن حاله ، ولا أحالته عن جميل خلاله ، ولا انحرفت به إلى الحيف ، ولا أطمعته في مطلوبها ولو أنّ الوقت سيف .
أنشدني من شعره ، وذكر لي نبذا من نثره ، فممّا أنشدني رحمه اللّه تعالى لنفسه « 1 » :
يا هاجرين أما كفى هجران * ذلّ الهوى في الحالتين هوان
[ 79 و ] / نمتم قريرين الجفون من الكرى * والطّرف ساه بعدكم سهران
ما أنعمت نعم عليه بنظرة * يوما ولا رقّت له نعمان
باللّه يا حادي إذا جئت الحمى * عرّس « 2 » فثمّ تعرّس الأظعان
واستقبل الوادي بكلّ لطيفة * فعسى تميل لنحوك الغزلان
وقل المتيّم جاءكم مستغفرا * ومن الأحبّة يعرف الغفران
فإذا تصالحت القلوب على الوفا « 3 » * فخذ الفؤاد فإنّه سكران
ولمّا بلغه شعر الشّيخ عبد القادر الجيلانيّ ، الذي أوّله :
ما في المناهل منهل مستعذب * إلّا ولي فيه الألذّ الأطيب
أنا بلبل الأفراح أملأ دوحها * طربا وفي العلياء باز أشهب
هامش
( 1 ) انظر أيضا : الخطط الجديدة 8 / 58 .
( 2 ) عرس - بتشديد الراء المهملة - القوم كأعرسوا : إذا نزلوا في آخر الليل للاستراحة ، وقيل :
التعريس : النزول في المعهد ، أي حين كان من ليل أو نهار ؛ انظر : اللسان 6 / 136 ، والقاموس 2 / 230
( 3 ) في س : « على الجفا » .