يسل الشعر من العجين » « 1 » . وكان الرسول كثيرا ما يذكر أفخاذ الأنصار ويفاضل بينهم « 2 » .
ورغم هذه الدعوة الصريحة ، التي جاء بها القرآن ، إلى الافتخار بالتقوى ، فإن الرسول حضّ على تعلم الأنساب وحفظها . فقال « تعلّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم » « 3 » ، فجعل غاية التعلم صلة الأرحام ، لا التفاخر بالأحساب . ودعا الرسول إلى التمسك بها والابتعاد عن ادعائها . فقال « ليس رجل ادّعى لغير أبيه وهو يعلمه الا كفر باللّه ، ومن ادعى قوما ليس له فيهم نسب فليتبوأ مقعده من النار » « 4 » .
فكان الناس في صدر الإسلام يتعلّمون الأنساب كما يتعلّمون الفقه .
وكانوا إذا قصدوا سعيد بن المسيّب للتفقه في الدين ، قصدوا عبد اللّه بن ثعلبة ليأخذوا عنه الانساب « 5 » ، وكان الخلفاء الأربعة الراشدون أنفسهم وكثير من الفقهاء من أعلم الناس بالأنساب أيضا « 6 » .
على أن رائحة العصبيّة القبليّة ، الناتجة عن التفاضل بالنسب عادت ففاحت في أيام عثمان رضي اللّه عنه ، ثم ازداد الفخر بالنسب والعناية به أيام بني أميّة . والحق أن دولتهم كانت عربية خالصة ، حافظ العرب فيها على بقايا تقاليدهم الجاهلية ، مما توارثوه في طباعهم وغرائزهم . ونحن نلمس آثار الفخر بالنسب والعناية به في أمور شتى . نلمسه في تقريب الخلفاء الأمويين بعض النسّابين واستماعهم إليهم ، كمعاوية الذي قرّب
هامش
( 1 ) البخاري ، الجامع الصحيح 2 : 389 ( ليدن ) .
( 2 ) ابن حزم ، الجمهرة ص 4 .
( 3 ) الإمام أحمد ، المسند 2 : 374 ( تحقيق أحمد شاكر ، القاهرة ) .
( 4 ) البخاري ، الجامع الصحيح 2 : 384 ( ليدن ) وفي ابن عبد البر ، الانباه ص 43 : « كفر باللّه تبرؤ من نسب وان رق ، وكفر باللّه ادعاء إلى نسب لا يعرف » .
( 5 ) ابن عبد البر ، الانباه ص 43 .
( 6 ) ابن حزم ، الجمهرة ص 4 ، 5 .