ساروا برسم الوثيقة إلى الأمير لتونس ، فلما رأى الأمير كثرة الشهود بها قال لكبير الكتبة عنده : أخبرني عن صاحب هذا العقد الأخير من هو ؟ فقال له : عقد الشيخ سيدي عبيد الأصغر الغرياني وهو رجل عالم صالح . فقال له الأمير : اكتب له الإمام فخرج له الأمر بذلك وقال : قلت : وسمعت من بعض أحفاده أن كبير الكتبة المشار إليه لما سماه الأمير ، أخبره بأنه قرأ معه بمدرسة بتونس ، وأنه كان شاهد منه كرامة حال قراءتهما إذ ذاك بتونس ، وهو أن الشيخ سيدي عبيد عنده بيتان بالمدرسة بيت لمبيته وجلوسه ، وبيت لوضع مهنته . ثم أراد زيارة أهله بالقيروان ، فأخذ الإذن من شيخ المدرسة في زيارة أهله فأذنه ، فذهب ووضع مفتاح البيتين عند بعض الطّلبة ، فجاء طالب جديد يريد السّكنى بالمدرسة ، وطلب من شيخنا أن يعطيه بيتا فأجابه وسأل الطلبة هل ثمّ بيت فارغ « 1 » ؟ فقالوا : لا ، إلا الشيخ عبيد عنده بيتان مفاتحهما عند فلان . فقال : عبيد بيت يكفيه وتعطوا بيتا لهذا الطالب . ثم نادى على الطالب الذي عنده المفتاحان وقال له : ائتيني بمفتاحي بيتي عبيد ، فأتاه بهما وفرغ منهما بيتا ، فبينما هو كذلك وإذا بسيدي عبيد قدم من القيروان ، فلما رأى ذلك تغيّر وقال للشيخ : اطلعت الطلبة على مهنتي فقال له : ها أنا حاضر بنفسي ، ثم إن شيخ المدرسة قام ودخل لمسجدها يصلّي به ، وباب المسجد به درج ، فلما قضى صلاته وخرج سقط بالدرج فانكسرت إحدى رجليه فرفعوه لداره على تلك الحالة فصار يقول : عبيد دقني ائتوني به يسامحني فأتوه وطلبوا منه المشي إلى شيخه فأبى إلى أن أرسل إليه ابنه فذهب معه إليه ، فلما دخل طلب منه المسامحة للّه تعالى وأن يرقيه « 2 » فسامحه ورقاه فعفى من وقته ، وخرجا جميعا يمشيان من الدار . ومنها ما أخبرني به بعض أحفاد المذكور وهو شيخنا قال : كان وقع قحط بالقيروان في بعض الأعوام والشيخ سيدي عبيد إذ ذاك إمام الجامع الأعظم وطالت الشدة على الناس ولم تصب المطر ، فلما كان في يوم الجمعة وجاء الشيخ للجامع كعادته ، وجلس ببيت الإمام ينتظر الخروج للخطبة فجاءته جماعة وطلبوا منه أن يدعو اللّه تعالى بأن يغيثهم بنزول المطر وألحّوا عليه فأجابهم بقوله : على مراد اللّه تعالى ، فلما خرج للخطبة وخطب الأولى والثانية ، فلما كان في آخر الثانية رفع يده حذو أذنيه وقال : « اللهم اسق عبادك وبهيمتك ، وانشر رحمتك ، وأحيي بلدك الميّت » قالها ثلاثا وفي الثالثة بكى
هامش
( 1 ) في الأصل : فارغة .
( 2 ) من الرّقية .